تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
قال المأمون : لنا اختلافان : أحدهما كالاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز ، والاختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق ، ووجوه القراءات واختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك . وليس هذا باختلاف إنما هو تخيير وتوسعة ، وتخفيف من المحنة . فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يؤثم ، ومن أذن مثنى وأقام فرادى لم يحوّب « 1 » ، لا يتعايرون ولا يتعايبون ، أنت ترى ذلك عيانا وتشهد عليه بتاتا . والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا ، وتأويل الحديث عن نبينا ، مع إجماعنا على أصل التنزيل ، واتفاقنا على عين الخبر . فإن كان الذي أوحشك هذا حتى أنكرت من أجله هذا الكتاب ، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقا على تأويله ، كما يكون متفقا على تنزيله ، ولا يكون بين جميع النصارى واليهود اختلاف في شيء من التأويلات . وينبغي لك أن لا ترجع إلا إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها . ولو شاء اللّه أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل ، ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية ، ولو كان كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة ، وذهبت المسابقة والمنافسة ، ولم يكن تفاضل ، وليس على هذا بنى اللّه الدنيا . قال المرتدّ : أشهد أن اللّه واحد لا ندّ له ولا ولد ، وأن المسيح عبده ، وإن محمدا صادق ، وإنك أمير المؤمنين حقا ! فأقبل المأمون على أصحابه فقال : فروا عليه عرضه ، ولا تبرّوه في يومه ريثما يعتق إسلامه ، كي لا يقول عدوه أنه أسلم رغبة . ولا تنسوا بعد نصيبكم من برّه وتأنيسه ونصرته ، والعائدة عليه . حدثنا أحمد بن أبي داود قال : قال لي المأمون :
هامش
( 1 ) لم يحوب : لم يأثم .
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال ) — صفحة 245 | الجاحظ / علي أبو ملحم