تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
رأس اليمانية في المقصورة يوم الجمعة ثم قال : قل لهم : يقول لكم أمير المؤمنين : قد عرفتم ما كان من إحساني إليه ، وحسن بلائي عنده ، وقديم نعمتي عليه ، والذي حاول من الفتنة ، ورام من البغي ، وأراد من شق العصا ومعاونة الأعداء ، وإراقة الدماء ، وأنه قد استحق بهذا من فعله أليم العقاب ، وعظيم العذاب . وقد رأى أمير المؤمنين إتمام بلائه الجميل لديه ، ورب نعمائه السابقة عنده ، لما يتعرفه أمير المؤمنين من حسن عائدة اللّه عليه ، وما يؤمله من الخير العاجل والآجل ، عند العفو عمن ظلم ، والصفح عمن أساء . وقد وهب أمير المؤمنين مسيئكم لمحسنكم ، وغادركم لوفيكم . وقال سهل بن هارون يوما ، وهو عند المأمون : من أصناف العلم مالا ينبغي للمسلمين أن يرغبوا فيه ، وقد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال ! قال المأمون : قد يسمى بعض الشيء علما وليس بعلم ، فإن كنت هذا أردت فوجهه الذي ذكرناه . ولو قلت : العلم لا يدرك غوره ، ولا يسبر قعره ، ولا تبلغ غايته ، ولا يستقصى أصنافه ، ولا يضبط آخره ، فالأمر على ما قلت . فإذا فعلتما ذلك كان عدلا ، وقولا صدقا . وقد قال بعض العلماء : أقصد من أصناف العلم إلى ما هو أشهى إلى نفسك وأخف على قلبك ، فإن نفاذك فيه على حسب شهوتك له ، وسهولته عليك . وقال أيضا بعض الحكماء : لست أطلب العلم طمعا في بلوغ غايته ، والوقوف على نهايته . ولكن التماس مالا يسع جهله ، ولا يحسن بالعاقل إغفاله . وقال آخرون : علم الملوك النسب والخبر وجمل الفقه ، وعلم التجار الحساب والكتاب ، وعلم أصحاب الحرب درس كتب المغازي وكتب السير . فأما أن تسمّي الشيء علما وتنهى عنه من غير أن يكون يشغل عما هو أنفع منه ، بل تنهي نهيا جزما ، وتأمر أمرا حتما ! والعلم بصر ، وخلافه عمى ، والاستبانة للشر ناهية عنه ، والاستبانة للخير آمرة به . ولما قرأ المأمون كتبي في الإمامة فوجدها على ما أمر به ، وصرت إليه
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال ) — صفحة 243 | الجاحظ / علي أبو ملحم