قال : ورأيت الناس يتداولون رسالة يحيى بن يعمر « 1 » ، على لسان يزيد ابن المهلب : « إنّا لقينا العدوّ فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة ، ولحقت طائفة بعراعر الأودية واهضام الغيطان ، وبتنا بعرعرة الجبل ، وبات العدو بحضيضه » . قال :
فقال الحجاج : ما يزيد بأبي عذر هذا الكلام . فقيل له : إن معه يحيى بن يعمر ! فأمر بأن يحمل إليه فلما أتاه قال : أين ولدت ؟ قال : بالأهواز . قال : فأنّى لك هذه الفصاحة ؟ قال : أخذتها عن أبي .
عراعر الأودية : أسافلها . وعراعر الجبال : أعاليها . وأهضام الغيطان :
مداخلها . والغيطان : جمع غائط ، وهو الحائط ذو الشجر .
ورأيتهم يديرون في كتبهم أن امرأة خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر فانتهرها مرارا ، فقال له يحيى بن يعمر : « أإن سألتك ثمن شكرها وشرك ، أنشأت تطلّها وتضهلها » .
قالوا : الضهل : التقليل . والشكر : الفرج . والشبر : النكاح . وتطلها :
تذهب بحقها ، يقال دم مطلول . ويقال بئر ضهول ، أي قليلة الماء .
قال : فإن كانوا إنما رووا هذا الكلام لأنه يدل على فصاحة فقد باعده اللّه من صفة البلاغة والفصاحة . وإن كانوا إنما دوّنوه في الكتب ، وتذاكروه في المجالس لأنه غريب ، فأبيات من شعر العجاج وشعر الطّرمّاح وأشعار هذيل ، تأتي لهم مع حسن الرصف على أكثر من ذلك . ولو خاطب بقوله : « أإن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها » الأصمعي ، لظننت أنه سيجهل بعض ذلك . وهذا ليس من أخلاق الكتاب ولا من آدابهم .
قال أبو الحسن : كان غلام يقعّر في كلامه ، فأتى أبا الأسود الدؤلي
هامش
( 1 ) يحيى بن يعمر فقيه لغوي سمع أبا هريرة وابن عمر وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي ، ولاه قتيبة بن مسلم قضاء خراسان ، توفي سنة 129 ه . وقد وجه الرسالة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي .