قلت : أجل ، هو أعملني إليك يا أمير المؤمنين ، قال : واللّه ما هو ميراث ادّعيناه ، ولكنّي أخبرك عن نفسي بشيء سمت بي إلى موضعي هذا : ما داهنت ذا ودّ ولا قرابة قطّ ، ولا شمتّ بمصيبة عدوّ ، ولا أعرضت عن محدّث حتى ينتهي ، ولا قصدت لكبيرة من محارم اللّه تلذّذا بها ولا واثبا عليها ، وكنت من عبد مناف في بيتها ، ومن بيتها في واسطة قلادتها ، وكنت أرجو بهذه أن يرفع اللّه تعالى منّي وقد فعل ، ثم قال : يا غلام بوّئه منزلا في منزلي ؛ فأخذ الغلام بيدي وقال : انطلق ، فكنت في أخفض حال وألين بال ، حيث يسمع كلامي وأسمع كلامه ، فإذا حضر طعامه أو قعد لأصحابه أتاني الغلام فقال : إن شئت صرت إلى أمير المؤمنين فإنّه قاعد لبطانته ، فأمشي بلا حذاء ولا رداء « 1 » ، فيرفع من مجلسي ، ويقبل عليّ ويحادثني ويسألني عن الحجاز مرّة وعن العراق مرة ، حتى إذا مضت عشرون ليلة ، تعشّيت في آخرها معه وقام من حضر ، ونهضت لأقوم فقال : على رسلك أيّها الرجل ، فقعدت ، فقال : أيّ الأمرين أحبّ إليك ؟ المقام قبلنا ، فلك النّصفة في المحافظة والمخالطة والمعاشرة ، أم الشّخوص فلك الحباء والكرامة ؟ فقلت : خرجت من أهلي على أني زائر لأمير المؤمنين - أكرمه اللّه - وعائد إليهم ، فإن أمرني بالمقام اخترت فناءه على المال والأهل والولد ، قال : بل أرى لك الرجوع إلى أهلك فإنّهم متطلّعون إلى قدومك ، فتحدث بهم عهدا ويحدثون بك مثله ، والخيار في زيارتنا والمقام فيهم إليك ، وقد أمرت لك بعشرين ألف دينار وحملتك وكسوتك ، أتراني ملأت يديك ؟ فقلت : أراك يا أمير المؤمنين ذاكرا ما قلت ؟ قال : أجل ، ولا خير فيمن لا يذكر إذا وعد ، ولا ينسى « 2 » إذا أوعد ، ودّع إذا شئت صحبتك السلامة ؛ قال : فودعته وقبضت المال وانصرفت ، فكان آخر العهد به .
هامش
( 1 ) ل : بلا رداء ولا حذاء .
( 2 ) ل : وينسى .