396 - قال مالك بن عمارة :
كنت ربّما جالست عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزّبير في ظلّ الكعبة أيام الموسم ، فنخوض مرة في الفقه ومرة في المذاكرة « 1 » ومرة في أخبار النّاس وأشعار العرب ، فكنت لا أجد عند أحد ما أجد عند عبد الملك ، من اتّساعه في المعرفة ، وتصرّفه في فنون العلم ، وحسن استماعه إذا حدّث ، وحلاوته إذا حدّث ؛ قال : فتفرّق أصحابنا ذات ليلة وبقيت أنا وهو ، فقلت : واللّه إنّي بك لمسرور لما أرى من كثرة تصرّفك ، وحسن حديثك ، وإقبالك على جليسك ، فقال لي : إنّك إن تعش قليلا فسوف ترى العيون إليّ طامحة ، والأعناق إليّ قاصرة « 2 » ، فإذا كان ذلك فلا عليك أن تعمل إليّ « 3 » فلأملأنّ يديك ؛ فلما أفضت الخلافة إليه أتيته ، فكان أول ما وقعت عينه عليّ وهو على المنبر ، كشر في وجهي وبسر ، فقلت :
لم يثبتني معرفة ، أو عرفني فأظهر لي نكره ، لكني لم أبرح من مكاني حتى قضى الصلاة ودخل المقصورة ، فلم يلبث إلّا ريثما دخل إذ خرج آذنه فقال : أين مالك بن عمارة ؟ قلت : ها أنا ذا ، فأخذ بيدي فأدخلني إليه ، فلمّا رآني مدّ يده إليّ ثم قال : تراءيت في موضع لم يجز فيه إلّا ما رأيت من الإعراض والانقباض ، فأمّا الآن فحيّ هلا بك ، كيف كنت بعدي وكيف كان مسيرك ؟
قلت : خير ، وعلى ما يحبّ أمير المؤمنين ، فقال : أتذكر ما كنت قلت لك ؟
شرح
396 الموفقيات : 210 والإمتاع والمؤانسة 2 : 70 ، وبعضه في نور القبس : 246 ومحاضرات الراغب 1 : 455 وعيون الأخبار 1 : 258 والتذكرة الحمدونية ( عمومية ، الورقة :
169 ) والجليس الصالح 2 : 306 . وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي أبو سعيد ويقال أبو إسحاق المدني تابعي ولد عام الفتح وروى الحديث وروي عنه ، وكان عالما ثقة صالحا ، توفي في خلافة عبد الملك ؛ انظر الإصابة 3 : 266 ( رقم : 7271 ) وتهذيب التهذيب 8 : 346 .
هامش
( 1 ) ل : الذكر .
( 2 ) ل : قاصدة .
( 3 ) ل : عليّ .