ونتقابل ، وعلى مقداره نفصل ونعدل ، وبهدايته نرشد ونكمل ، فأما أن يكون العقل حكما « 1 » بيننا وبين اللّه تعالى : ما أجازه للّه حسن فعله وما « 2 » أباه قبح فعله ، فهذا ما لا يكون . كيف يكون هذا وهو إله من قبل العقل والعاقل والمعقول ، وإنما أبدع هذه كلّها داعية إليه لا معترضة عليه ، وواصلة به « 3 » لا قاطعة عنه ، ودالّة على قدرته لا مضلّة عن حكمته ، ومتيقّنة « 4 » لما بان لا شاكّة فيما أشكل .
وما أحسن ما قاله أبو زيد البلخي « 5 » ، قال : العقل آلة أعطيناها لإقامة العبودية لا لإدراك الرّبوبية ، فمن طلب بآلة العبودية حقيقة الرّبوبية فاتته العبودية ولم يحظ بالرّبوبية .
أين يذهب بهؤلاء القوم ؟ « 6 » أما يعلمون أنه كما يرد على العين ما يعشي بصرها من نور الشمس ، كذلك يرد على العقل ما يعشي بصيرته من نور القدس ؟ ما أحوج هؤلاء المدلّين بعقولهم ، الرّاضين عن أنفسهم ، العاشقين لآرائهم ، أن ينعموا النّظر ، ويطيلوا الفكر ، ولا يسترسلوا مع السانح الأوّل ، ولا يسكنوا إلى اللفظ المتأوّل ، ولا يعوّلوا على غير معوّل .
وأنت - حفظك اللّه - لو أردت أن تقف على أسرار ملك زمانك ، وعلى
هامش
( 1 ) حكما : سقطت من ص .
( 2 ) ص : واما .
( 3 ) ص : وفاصلة .
( 4 ) م : ومعقيلة .
( 5 ) هو أحمد بن سهل أبو زيد البلخي ، من كبار العلماء المسلمين ، كان قائما بجميع العلوم القديمة والحديثة ، ويسلك في تصنيفاته طريقة الفلاسفة إلا أنه بأهل الأدب أشبه ؛ وكان معلما للصبيان ، ثم رفعه العلم إلى مرتبة عالية ، وعرضت عليه الوزارة ببلخ فأباها وقبل بالكتابة ، وله مؤلفات كثيرة وتوفي في سنة 322 ؛ انظر ترجمته في الفهرست : 153 ومعجم الأدباء 1 : 141 ولسان الميزان 1 : 183 ؛ وقد كان أبو حيان شديد الإعجاب به ، وأورد ياقوت عنه قوله في كتاب النظائر - ولعله يعني البصائر - إن أبا زيد يقال له بالعراق جاحظ خراسان ( انظر معجم الأدباء 1 : 149 ) .
( 6 ) يعني المتكلمين .