فبكى المهدي حتى همّ من كان على رأسه بضرب صالح وظنّوا أنّه يسكت حين ذهب به البكاء فقال : يا صالح ، لو وجدت رجالا يعملون بما آمرهم وبما أنوي في رعيّتي لظننت أنّي ألقى اللّه عزّ وجلّ وأمر أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أقلّ ذنوبي وأهون حسابي ، ولكن دلّني على وجه النجاة ، فإن لم أعمل كنت أنا الجاني على طهري والمؤثر هواي على رضا ربي ، قال له صالح : أنت يا أمير المؤمنين أعلم [ منّي ] بمواضع النّجاة ، قال : لو كنت أعلم بموضع النجاة ما كنت أولى بعظتي ، وما هو إلّا أن أركب سيرة عمر بن الخطّاب ، ولا يصلح عليها أحد من أهل هذا العصر ، وذاك أنّ الناس في الزمن الماضي كان يرضي أحدهم الطّمر البالي ، وتقنعه الكسرة اليابسة والماء القراح ، وهم اليوم في مضاعف الخزّ والوشي ، ومائدة أحدهم [ في اليوم ] بمثل غنى ذي العيال في زمن عمر ؛ أو أسيح في الأرض ذات العرض ، فإلى من أكلهم ؟ إلى ولد أبي طالب ؟
فو اللّه ما أعلم للمسلمين راحة فيهم ولا فرجا عندهم . ولو أنني حملت النّاس على سيرة العمرين في هذا العصر كنت أول مقتول ، وذلك أنّ الفطام عن هذا الحطام شديد ، ولا يصبر عليه إلّا المبرّز السّابق ، فأنّى ذلك اليوم ، يا صالح ؟
واللّه لقد بلغني أن لسعيد بن سلم ألف سراويل ، ولحازم ألف جبّة ، ولعمارة ابن حمزة ألف دواج ، وهي أقلّ ملكهم ، فما ظنّك بي وهم عددي وناسي وسهام كنانتي ومن أشبههم كمعن بن زائدة وعبد اللّه بن مالك ، [ فلو أنّي حملتهم ] على التقشّف والنسك وأخذت ما في أيديهم فوضعته حيث تراه أنت وأنا ، هل كانت نفس أبغض إليهم من نفسي ، أو حياة أثقل عليهم من حياتي ؟
فأطرق صالح مفكّرا ثم رفع رأسه وقال : يا أمير المؤمنين ، إنّه ليقع في خلدي أنّك قبلت قولي قبول تحقيق لا قبول رياء وسمعة ، فقال المهدي : شهيدي على ذلك اللّه ، فقام صالح فدنا من المهدي فقبّل رأسه وقال : أعانك اللّه يا أمير المؤمنين على صالح نيّتك ، وأعطاك أفضل ما تأمله في رعيّتك ، ووهب لك أعوانا [ بررة ] صالحين ، يعملون بما يجب عليهم فيك ، ثم خرج . فقال له
البصائر والذخائر — صفحة 152
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص١٥٢