بعد ذلك عنّي ، وثقل حجابه عليّ ، فأفّ له ولأضرابه ، فما شين الدّنيا والدّين إلّا بقوم هذا منهم ؛ رزقنا اللّه الأدب الذي به نعلم ما نقول ، وإليه نفزع فيما نعمل ، وكفانا شرّ كلّ ذي شرّ بمنّه . فاعذر - أيّدك اللّه - في هذا التصرّف كلّه ، وكن من إخوان الصّدق يزدك اللّه به شرفا إن شاء اللّه .
301 - كان أبو داود السّجستاني ثقة محدّثا راوية ، زعموا أنه في أيام حداثته وزمان طلبته للحديث وكتابته ، جلس في مجلس بعض الرّواة يكتب ، فدنا رجل إلى محبرته وقال له :
أستمدّ من هذه المحبرة ؟ فالتفت إليه أبو داود فقال : لا ، فانخزل الرجل حياء ، وأقبل عليه أبو داود وقال : أما علمت أنّ من شرع في مال أخيه بالاستئذان ، فقد استوجب بالحشمة الحرمان ، فسمّي [ أبو داود منذ ] ذلك اليوم حكيما .
302 - وأنشد :
[ المنسرح ]
أختان إحداهما إذا انتحبت * تبكي كباك بعبرة حرّى
وما بها علّة ولا سقم * تضحك منها الأخيّة الأخرى
يقال إنّ الشاعر أراد بهما السماء والأرض ، ويقال إنّ ثعلبا أنشدهما .
303 - قال الحسن بن عثمان القنطريّ :
دفنت كتبي وأقبلت على العبادة والتشمير والاجتهاد ، فرأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام كأنّه صعد المنبر ، وأشار بيده وفيها أقلام محشوّة طيبا ومسكا ، فجعل يناول أقواما قلما قلما ، فلمّا تقدّمت ووقفت بين يديه وقلت : يا رسول اللّه ناولني قلما ،
شرح
[ 301 ] أبو داود السجستاني هو الحافظ المشهور سليمان بن الأشعث صاحب السنن ( أحد الكتب الستة ) وكانت وفاته سنة 275 ؛ انظر ترجمته في تاريخ بغداد 9 : 55 وتهذيب ابن عساكر 6 : 246 وطبقات الحنابلة : 118 ووفيات الأعيان 2 : 404 وتذكرة الحفّاظ :
591 وهذه القصة عنه أوردها ابن خلكان .