يسجد لما غلبت إرادة إبليس إرادة اللّه جلّ سلطانه « 1 » ، ونهى آدم عن أكل الشّجرة وأحبّ أن يأكل منها ، ولو لم يحبّ أن يأكل منها لما غلبت محبّة آدم محبّة اللّه تعالى .
هكذا أصبت هذا الجزء وهو حقّ ، فإذا سرّك الاتساع فيه فتصفّح الكتاب حتى ترى شواهده وتجد دلائله ، وتعلم أنّ اللّه سبحانه أنشأ العبد ثم تولّاه ولم يخله من يده ، وأنّ العبد يتصرّف بين علمه وإرادته وأمره ونهيه في ظاهر تكليفه ، وطرفاهما بين الحالتين يلتقيان ، وكلتاهما مستويتان ، واعلم أن الخلق ظهر منه وثبت به ، وانقلب إليه ، أعني أنّه أبدأه وأنشأه في الأول ، وهو غذّاه وأنماه في الثاني ، وهو قبضه ورقاه في الثالث باستطاعته ، واستبدّ بقدرته ، وانفرد بحوله وقوّته ، واستغنى عن موجده « 2 » وحافظه ، وإنّما ركدت الشّبهة على قوم من جهة أنّهم تخطّوا « 3 » الأمر والنّهي وهما أسّ التكليف ، وأوجبوا التّمكين والتّخيير ، وظنّوا أن هذا القدر يفصل « 4 » الحال بيننا وبين اللّه عزّ وجلّ فلا نؤتى إلّا من قبلنا ، ولا نلام إلّا على فعلنا . واعلم أن الإنسان مطلق في صورة مقيّد ، ومختار في هيئة مضطرّ ، ومرسل في حلية ممنوع ، يبيّن لك ذلك أنه ينقض حاله نقضا ، ويقيس متوسّطه على طرفيه ، فإنّه يدلّك بالعبرة الواضحة والعبارة المفصحة ، أنه ما فعل فعلا باختيار استحق به حمدا أو ذمّا إلّا وقع إليه ما سبق اختياره من خواطره ودواعيه ما استحقّ به عذرا وتسليما ، لكنّه عن طرق العلم والإرادة محجوب ، وبلسان الأمر والنّهي محجوج ، ومتى حاول ذلك الخروج عمّا أريد به حاول عسيرا ، ومتى احتجّ عن نفسه بما علم منه احتجّ جاهلا ، فليس
هامش
( 1 ) ح : عز وجل .
( 2 ) ح : موجوده .
( 3 ) ح : يحطاوا ( دون إعجام ) .
( 4 ) ح : لفصل .