620 - قال العتبي :
دخل دغفل بن حنظلة النسّابة على معاوية ، فقال معاوية : حدّثني ببعض أحاديثك ، فقال : سمعت زياد بن عبيد القيسي يحدّث قال : كنت عشيقا لعقيلة من عقائل الحيّ ، أركب لها الصّعب والذّلول ، لا أليق مطرحا فيه متجر وربح إلّا أتيته ، يلفظني السّهل إلى الجبل والجبل إلى السّهل ، فانحدرت مرة إلى « 1 » الشام بخرثيّ « 2 » وأثاث كثير أريد لبّة العرب ودهماء الموسم ، وإذا بقباب شاميّة مع شعف الجبل ، مجلّلة بالأنطاع ، وإذا جزر تنحر وأخرى تساق ، وإذا وكلة وحثثة على الطّهاة يقولون : العجل العجل ، وإذا برجل جهوريّ الصّوت على نشز من الأرض ينادي : يا وافد اللّه الغداء ، وإذا بآخر على مدرجة ينادي : ألا من طعم فليخرج للعشاء ، فأعجبني ما رأيت ، فمضيت أريد عميد الحيّ ، فوجدته جالسا على عرش ساج ، قد ائتزر بيمنة وتردّى بحبرة ، وعلى رأسه عمامة سوداء تظهر من تحتها جمّة فينانة ، وكأنّ الشّعرى تطلع من جبينه ، وإذا بمشيخة جلة خفوق « 3 » ماسكي الأذقان ما يفيض أحدهم بكلمة ، وإذا خوادم حواسر عن أنصاف « 4 » سوقهنّ ، فأكبرت ما رأيت ، وقد كان نمي إلى حبر من أحبار اليهود أن النبيّ التهاميّ هذا أوان مبعثه ووقت توكّفه فخلته إياه ، وقلت : علّه أو عساه ، ودنوت منه فقلت : السلام عليك يا رسول اللّه ، فقال : لست به وليتني به ، فسألت رجلا : من هذا ؟ فقال :
هذا هاشم بن عبد المناف ، فقلت : هذا واللّه السّناء والمجد ؛ فقال معاوية :
لاها اللّه ! ما رأيت كلاما أفصح من هذا ، وأشهد أنّ قيسا قد أخذت لباب « 5 » الفصاحة .
هامش
( 1 ) ح : من .
( 2 ) الخرثي : المتاع .
( 3 ) ح : جلة حقوق حلة حقوق حلة .
( 4 ) ح : أسياف .
( 5 ) ح : لبات .