تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
غير سفيه ، ومصيبا غير مخطئ ، وهذا بيّن والحمد للّه . هذا - أيّدك اللّه - لفظ الحارث الورّاق . واعلم أن ابن زكريا والحارث الورّاق جميعا قد خبطا خبط عشواء ، ودلّا على قلة المعرفة بأسرار الإلهية وأحكام العبودية : أما ابن زكريا فمعترض ، والعبد أحقر من أن يعترض « 1 » على مولاه ، وأما الحارث فمتكلّف ما حطّ اللّه عنه ؛ وبيان ما أقول أن الحارث أوضح المعنى الذي أدلى به خصمه بالمثال الذي نصبه ، والمثال مردود الأصول فاسد الأساس ، لأن الوالد إنما سلك بولده أوعر الطريقين لعجزه عن سلوك الطريق الأسهل به ، فكان الحزم عنده هذا يقتضيه عقله والنظر له بطباع رحمته أن يبلغ في اجتلاب مصلحته واكتساب منفعته غاية ما يقدر عليه ، ويجد سبيلا إليه ، وليس هكذا الأمر في اللّه عزّ وجلّ وعبده ، لأن اللّه عزّ وجلّ قادر على إيصال المنافع والمصالح إلى عبده من حيث لا ينصب عبده ولا يخاطر بنفسه ، فإن توهّم أنه لا يقدر فهذا هو الكفر الصريح ، وإن قيل هذا مقدار ما يملكه وغاية ما أصلح العبد به صار العيان جاحدا لهذه الدّعوى ، والضرورة دافعة لهذه الحجّة ، فقد جاء من هذا التنقير أن الوالد بحكم الشفقة وبما تجد نفسه من الرقّة في باب ولده لا يجد مزيدا على ما أقدم عليه ، وما هكذا ربّك ، فإنه مالك كلّ شيء وقائم على كلّ شيء ؛ فإذا كان اعتراض ابن زكريا تحكّما بمن استأثر بأحكامه واستبدّ بأسراره وأعمى عين القلب عن إدراك ما علا عليه وأحاط به ، فقد باء بسخط من اللّه ومأواه جهنّم ، إلّا أن ينزع عن هذه العقيدة ، ويطمئنّ إلى اللّه عزّ وجلّ في صلاح ما جهله ، وإتقان ما أشكل عليه ؛ وهكذا يقال للحارث الورّاق : أنت من أين لك أنّ أفعال اللّه الذي خلق الخلق مقيسة إلى أفعال الخلق ؟ وأنّ الذي يستحيل هاهنا يستحيل هناك ؟ ومتى أوحي إليك بأن تمثيلك وقياسك ونظرك ميزان بين اللّه تعالى وبينك تزن به جميع
هامش
( 1 ) م : يتعرض .
البصائر والذخائر — صفحة 28 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / وداد قاضي