ما للتّجار وللسّخاء وإنّما * نبتت لحومهم على القيراط
فكتبه وجعله في الكتاب ؛ هذا لفظ أبي سعيد .
28 قال محمد بن زكريا الطبيب في كتاب له :
هل يكون حكيما من وجد طريقين فسلك أبعدهما وأوعرهما ؟ مع كلام طويل ، وهذا إنما يشير به إلى ما فعل اللّه عزّ وجلّ بخلقه في هذه الدنيا بالتكليف والأخطار والتعريض ، فأجابه الحارث الورّاق في كتاب أفرده لمناقضته بأن قال : نعم يجوز ذلك ، ومثاله أنّا قد نجد الحكيم ما بيننا إذا كان ذا نعمة واسعة ومال كثير وقد يكون له الولد الذي لا يملك غيره والذي ليس له أحد أعزّ عليه منه فيسلمه إلى التجّار ليتعلّم البيع والشّراء ، ويسلمه في الصّرف ليتعلّم النقد ، في غير ذلك من الصناعات ، فيلحقه في ذلك من النّصب والتعب ما يجلّ عن الوصف ، ويتجاوز حدّ المقدار ، يريد بذلك أن يعلم ولده حفظ المال والقيام به لئلا يضيعه متى ملّكه إياه فيفتقر ، فإذا تعلّم وتخرّج فوّض إليه أمره ، ودفع إليه ماله ، وقد كان قادرا أن يدفع إليه المال من غير أن يؤدّبه ويخرّجه ويتعبه ويؤذيه ، غير أنه يخاف إن دفعه إليه قبل التأديب أن يضيعه ويتلفه ، ورجا أن يكون إذا دفعه إليه بعد التأديب أن يحفظه فيزول الفقر عنه ، وتتسع عليه نعمته ، فسلك به أوعر الطريقين وأطولهما وأشدّهما مشقة ، فكان بذلك حكيما
شرح
[ 28 ] تنفرد م بهذه الفقرة . وأبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب والفيلسوف المشهور صاحب كتاب الحاوي في صناعة الطبّ والمنصوري وغيرهما الكثير ، توفي في سنة 311 وقيل غير ذلك ؛ ترجمته في الفهرست : 356 وابن أبي أصيبعة 1 : 309 - 321 ووفيات الأعيان 5 : 157 ( وانظر الحاشية ) . والحارث الوراق هو أبو القاسم الحارث بن علي من أهل خراسان ، كان من رؤساء أهل النظر ، له تآليف محكمة ونقوض لعدة كتب من كتب ابن الراوندي ، وكان في أيام أبي علي الجبّائي ، وله معه مناظرات ، وقيل إنه من متكلمي بغداد ، وهو الصحيح ؛ انظر الفهرست : 218 - 220 .