بالأبواء « 1 » ، اطّلع في بئر عاديّة « 2 » فأصابته اللّقوة « 3 » ، فأتى مكّة ، فلمّا قضى نسكه وصار إلى منزله ، دعا بثوب فلفّه على رأسه وعلى جانب وجهه الذي أصابه فيه ما أصابه ، ثم أذن للنّاس فدخلوا عليه ، وعنده مروان بن الحكم فقال : إن أكن ابتليت فقد ابتلي الصالحون قبلي ، وأرجو أن أكون منهم ، وأن عوقبت فقد عوقب الظالمون قبلي ، وما آمن أن أكون منهم ، وقد ابتليت في أحسن ما « 4 » يبدو منّي ، وما أحصي صحيحي ، وما كان لي على ربي إلا ما أعطاني ؛ واللّه إن كان عتب عليّ بعض خاصّتكم ، فقد كنت حدبا على عامّتكم ، فرحم اللّه رجلا دعا لي بالعافية ؛ قال : فعجّ الناس له بالدعاء « 5 » ، فبكى ، فقال مروان : ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : كبرت سنّي ، وكثر الدمع في عيني ، وخشيت أن تكون عقوبة من ربّي ، ولولا يزيد « 6 » لأبصرت « 7 » قصدي ، وأنشد « 8 » : [ الكامل ]
وإذا رأيت عجيبة فاصبر لها * فالدهر قد يأتي بما هو أعجب
ولقد أراني والأسود تخافني * فأخافني من بعد ذاك الثّعلب
29 - قال أعرابي للحسن :
أيها الرجل الصالح ، علّمني دينا وسوطا ، لا ذاهبا شطوطا ، ولا هابطا هبوطا ، فقال الحسن : أما إن قلت ذلك : إنّ خير الأمور أوساطها .
شرح
[ 29 ] ورد في البيان والتبيين 1 : 255 وزهر الآداب : 839 وبهجة المجالس 1 : 219 ونثر الدرّ 5 :
61 وربيع الأبرار 3 : 490 والريحان والريعان 1 : 122 .
هامش
( 1 ) الأبواء : قرية من أعمال الفرع من المدينة ، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا ( معجم البلدان ) .
( 2 ) عادية : نسبة إلى عاد ، يعني قديمة .
( 3 ) اللقوة - بالفتح - : داء في الوجه يعوجّ منه الشدق وينجذب له شق الوجه إلى جهة غير طبيعية ، ولا يحسن التقاء الشفتين ولا تنطبق إحدى العينين ( التاج ) .
( 4 ) ك : أحسني وما .
( 5 ) ر : بالدعاء له .
( 6 ) يعني معاوية بذلك يزيد ابنه .
( 7 ) ك : أبصرت .
( 8 ) وأنشد : سقطت من ر ك .