لما ملكوا فارس والروم ، ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة ، فقد قدم لهم المرقّق فحسبوه رقاعا ، وعثروا على الكافور في خزائن كسرى ، فاستعملوه في عجينهم ملحا ، وأمثال ذلك . فلما استعبدوا أهل الدول قبلهم ، واستعملوهم في مهنهم ، وحاجات منازلهم ، واختاروا منهم المهرة في مثل ذلك ، والقومة عليه ، أفادوهم علاجه ، والقيام على التفنن فيه ، فبلغوا الغاية فيه .
وتطوروا بطور الحضارة والترف في استجادة المطاعم والمشارب والملابس والمباني والأسلحة والفرش والآنية وسائر الماعون والخرثى « 241 » ، فأتوا من ذلك بما وراء الغاية في مثله « 242 » .
الثالث : أنه على قدر الدولة ، يكون شأنها في الحضارة ، لان أمورها من الترف والترف من توابع الثروة ، والثروة من توابع الملك . ومقدار ما يستولي عليه أهل الدولة ، فعلى نسبة الملك يكون ذلك كله .
الرابع : أنه من أفخم ما جرى من ذلك على نسبة الملك في الدول الاسلامية ، ما وقع منه في مقامين .
أحدها : الجوائز والأعطية بلغت في دولة بني العباس والعبيديين ومن بعدهم ما علم من أحمال المال وتخوت الثياب وأعداد الخيل ، بعد ما كانت أيام بني أمية ، الإبل في الأكثر ، أخذا بمذاهب العرب وبداوتهم .
الثاني : الولائم والاعراس حكي من ذلك في عرس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل « 243 » ما يقتضي منه العجب ، كنثر أبيها يوم الاملاك على الطبقة الأولى من حاشية المأمون بنادق المسك « 244 » ملتوتة « 245 » على الرقاع
هامش
( 241 ) د : الخرثيء .
( 242 ) مقدمة : ج 2 ، ص 658 - 659 .
( 243 ) بوران : أو خديجة بنت الحسن بن سهل ، وقد استند ابن خلدون وقد نقل عنه ابن الأزرق - على تاريخ الطبري ، ج 1 س 272 ، وكذلك على وفيات الأعيان ، ج 1 ، ص 287 - 289 ، وكذا :
مروج الذهب ج 4 ، ص 327 وقد ولدت بوران سنة 292 ه .
وتوفيت سنة 271 ه .
( 244 ) م : الدنانير .
( 245 ) س : مبثوثة .