فيضعف الالتحام الذي به التناصر . وذلك أنقص من الاصطناع قبل الملك .
الثاني : أن الاصطناع قبل الملك يخفى شأن تلك اللحمة بطول الزمان ، ويظن « 226 » به في الأكثر النسب ، فتقوى العصبية ، ولا كذلك بعده لقرب العهد واستواء الأكثر في معرفته ، فلا جرم يتميز عن النسب وتضعف العصبية بالنسبة إلى ما قبل الدولة « 227 » .
شهادة عيان « 228 » : قال ابن خلدون ، فاعتبر ذلك في الدول والرئاسات تجده ، فكل من كان اصطناعه قبل الملك والرئاسة المصطنعة ، تنزل به لشدة التحامه به ، منزلة أبنائه وذوي رحمه ، ومن كان اصطناعه بعد لا يكون له من اللحمة ما للأولين .
قال : هذا مشاهد بالعيان حتى أن الدولة في آخر أمرها ترجع إلى اصطناع الأجانب ، فلا يبنى لهم مجد ، كما للمصطنعين قبلها ، لقرب العهد حينئذ بأوليتهم ومشارفة الدولة على الانقراض ، فيكونون منحطين في مهاوى الضعة « 229 » .
أعلام : قال : وانما يحمل صاحب الدولة على العدول إليهم في الاصطناع ، ما يعترى في نفوس الصنائع الأولين من التعزز عليه وقلة الخضوع له ، ونظره بما ينظر اليه أهل نسبه لتأكد اللحمة منذ الاعصار المتطاولة بالمربى والانتصار بسلفه ، والانتظام مع كبراء أهل بيته فينافرهم لما يحصل بذلك من الدالة والاعتزاز عليه ويعدل عنهم إلى استعمال سواهم ، ويكون عند استخلاصهم قريبا ، فلا يبلغون رتب المجد ، ويبقون على حالهم . وهكذا شأن الدول في أواخرها « 230 » .
هامش
( 226 ) س : ويضر .
( 227 ) مقدمة : ج 2 ، ص 679 .
( 228 ) س : اعتبار .
( 229 ) مقدمة : ج 2 ، ص 679 .
( 230 ) مقدمة : ج 2 ، ص 679 - 680 .