الثاني : ان الحضارة ، كما يرد بعد إن شاء الله ، هي النهاية في اكمال « 104 » العمران الخارج به إلى الفساد ، والغاية في الشر البعيد عن الخير ، ومن سلم من ذلك فلا خفاء في قربه من الخير « 105 » .
قلت : ومع ذلك فللحضر ، من الفضل على البدو ما لا يخفى ، وانما هذا باعتبار ما يعرض من الشر بالقصد الثاني .
السابقة السادسة
ان أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر ، لان تعود أهل الحضر لما نشئوا عليه ، من الانغماس في النعم ، والاعتماد في المدافعة عن النفس والمال على الولاة والحماة ، صار لهم « 106 » كالخلق الطبيعي ، حتى تنزلوا به منزلة النسوان والولدان ، وأصبحوا لأجله « 107 » عالة على من وكلوا اليه امرهم .
وأهل البدو لتوحشهم ، وانفرادهم ، عن الحامية قائمون ، بالدفاع عن أنفسهم ، لا يكلونه إلى غيرهم اذلالا بالبأس ، ووثوقا ، بالشجاعة ، إذ قد صار ذلك لهم خلقا وسجية « 108 » .
قال ابن خلدون : « وأصله ان الانسان ابن عوائده ومألوفه ، لا ابن طبيعته ومزاجه ، فالذي الفه في الأحوال حتى صار له خلقا وملكة ، وعادة ، تنزل منزلة الطبيعة والجبلة ، والله يخلق ما يشاء « 109 » » .
السابقة السابعة
ان معاناة أهل الحضر للاحكام « 110 » مفسد « 111 » للباس ، وذاهب
هامش
( 104 ) م : أكمل .
( 105 ) مقدمة : ج 2 ص 585 .
( 106 ) ه : لهم زائدة .
( 107 ) س : من أجله .
( 108 ) مقدمة ج 2 ص 588 .
( 109 ) اختلاف مع مقدمة ج 2 ص 585 - 589 .
( 110 ) ه : بدون الاحكام .
( 111 ) مقدمة : مفسدة . س : مبيد .