لضيقها عن اتساع الوزائع ، والمتغلبة لبداوة أولها ، تتجافى عن الأموال ، فتقل وزائعها كذلك ، وعلى التقديرين فتنبسط الأموال في الاعمال ، التي بها كثرة العمران المفيد لوفور مال الجباية « 172 » .
الثالث : وهو أيضا خاص بالدولة القوية الأصل لأنها لتلك القوة يجتمع لها من المال ما هو بنسبتها ، وشاهد ذلك أثره في العطاء ، والاستعداد له .
وهؤلاء البرامكة كانوا إذا أكسبوا معدما انما ، هو الملك والولاية والنعمة آخر الدهر ، لا العطاء الذي يستنفده يوم أو بعض يوم . وهذا جوهر « 173 » الكاتب ، قائد جيوش بني عبيد لما ارتحل إلى فتح مصر ، استعد من القيروان بألف حمل من المال .
قال ابن خلدون . « ولا تنتهي اليوم دولة لمثل هذا . »
المسألة الثانية : في سبب نقصه بعد الكثرة .
وحاصله : العدول عن العدل الذي به كثرة المال ونماؤه ، وتلخيص بسطه ، بذكر آفات منه طبيعية ، تكفي الواحدة منها في ذلك ، وأولى إذا اجتمعت .
الآفة الأولى :
تكثير الوظائف عند ذهاب بداوة الدولة ، لتعاقب مددها في ترف الملك العضوض ، واستحالة خلقها الساذج إلى خلق الحضارة الحاملة على التوسع في ما وراء الضروريات ، ولا تزال مزيدا فيها مقدارا بعد آخر ، لتدرج الدولة في عوائد الترف وكثرة الانفاق بسببه ، حتى تثقل على الرعية ، وتفرط في الخروج عن الاحتمال ، فتذهب غبطتها في الاعتمار لعدم فائدته ، إذا قوبل ما بين نفعه ومغارمه . وبين ثمرته وفائدته ، وتنقبض أيدي الكثير عنه فتنقص الجباية لا محالة « 174 » .
هامش
( 172 ) استند ابن الأزرق على مقدمة ج 2 ص 837 - 838 .
( 173 ) جوهر بن عبد الله الصقلي ، أبو الحسن ، المعروف بالكاتب الرومي ، وهو القائد الذي فتح مصر للمعز لدين الله الفاطمي ، وباني مدينة القاهرة ، وقد دخل مصر سنة 350 ه وبقي حاكما فيها حتى جاء المعز سنة 362 ه . وتوفي في القاهرة . وفيات الأعيان ج 1 ص 375 - 380 .
والنجوم الزاهرة ج 4 ص 28 . وابن عساكر ج 3 ص 416 . وخطط مبارك ج 2 ص 45 . ومعجم البلدان ج 7 ص 19 .
( 174 ) استند ابن الأزرق على مقدمة ج 2 ص 838 - 839 .