يحيى عن محمد بن عمرو الدومى قال : كان الرشيد ربما خطب مرتجلا من غير أن يعد كلاما ، فصعد يوما المنبر ، وقد شغب الجند ، ثم سكنوا بعد ايقاع بهم ، فقال : الحمد للّه رب العالمين ، وصلى اللّه على سيدنا محمد والملائكة المقربين ، وعلى الأنبياء أجمعين ، أما بعد : فقد كان لكم ذنب ، ولنا عتب ، وكان منكم إجرام ، ومنا انتقام وعندي بعد هذا لكم التنفيس عن المكروبين ، والتفريج عن المغمومين ، والاحسان إلى المحسنين ، والتعمد لإساءة المسيئين ، الا يكفر لكم بلاء ، « 1 » ولا يحبس عنكم عطاء ، وعلى بعد ذلك الوفاء ان شاء اللّه .
وأما الشعر فطبقته فيه عالية ، أنشدنا أبو أحمد عن الصولي للرشيد .
وإذا نظرت إلى محاسنها * فبكلّ موضع نظرة نبل
وتنال منك بحدّ مقلتها * مالا ينال بحدّه النّصل « 2 »
شغلتك وهي لكلّ ذي بصر * لاقى محاسن وجهها شغل
فلقلبها حلم يباعدها * عن ذي الهوى ولطرفها جهل
ولوجهها من وجهها قمر * ولعينها من عينها كحل
وقل ما تسمع شعرا يشبه هذا الشعر .
أول من دعى إلى بيعته على المنبر محمد الأمين
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن يحيى قال : كانت العرب تسمى مواضع أرصاد السلطان مسالح من السلاح فكره المأمون هذا الاسم فسماها مصالح من المصلحة ثم أنشد :
تذكّرتها وهنا وقد حال دونها * قرى أذربيجان المسالح والخالي
هامش
( 1 ) لا يكفر لكم بلاء أي لا ينكر لكم مجهود تبذلونه .
( 2 ) المقلة العين والنصل حديدة الرمح والسهم والسكين والمعنى أنها إذا نظرت إليها قتلتك بعينها وفعلت مالا تفعله الرماح ولا السهام .