أرسلني إلى غيرك فأخطأت بك ، فقال أبو ذر : قل له : ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار واحد ، فان أخذتنا بها ، فأنظرنا نجمعها لك ، فلما رأى معاوية ان قوله يصدقه فعله ، كتب إلى عثمان : ان كان لك حاجة في الشام فأرسل إلى أبي ذر ، فقد أوغر « 1 » قلوب الناس ، فكتب اليه ألحق بي .
وقد روى خلاف ما تقدم ذكره من خروجه إلى الربذة من تلقاء نفسه .
أخبرنا أبو القاسم عن العقدي عن أبي جعفر عن أبي الحسن عن أبي عبد الرحمن العجلاني وعيسى بن يزيد قالا : أنبأنا بعض أهل العلم ، عن رجل من بنى غفار قال : بينا أنا عند معاوية أحدثه ، غضب ، ولم أر شيئا أغضبه ، ثم قال لرجل :
عجل على بأبى ذر ، فلم ألبث ان طلع ، فإذا رجل طويل مشتمل « 2 » بكساء ، فما سلم حتى جلس ، فقال : يا معاوية ، لم بعثت إلى ؟ قال : بلغني أنك تطعن في أمير المؤمنين عثمان ، وهو إمامك ، قال : هو طعن على نفسه ، قال : أما واللّه لولا ان أبده « 3 » - أو لفظ هذا معناه - أمير المؤمنين بما لا أدرى ، أيوافقه أم لا ؟ لكنت أول أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - أضرب عنقه ، قال :
قاتلك اللّه يا معاوية ! تراقب عثمان ولا تراقب اللّه ؟ ألا أحدثك حديثا سمعته من رسول اللّه ؟ فاسترخت عينا معاوية ، وأذناه ، وقال : حدثني ، قال : سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - يقول : « ويح « 4 » أمتي من أعين الامى ، يراوح بين منكبيه ، « 5 » يخرج بمن اتبعه من أهله حتى يوردهم نار جهنم ، فسيرتطم ويرتطمون » « 6 » كأنك هو ولا أدرى ، فقام معاوية ، فدخل ، وخرج أبو ذر ، فلحقته ، فسلمت عليه ، فتجهمنى ، « 7 » فانتسبت له ، فرد علىّ السلام ،
هامش
( 1 ) أي أوقد قلوبهم من الغيظ .
( 2 ) مشتمل بكساء أي متلفف به .
( 3 ) بغته وفاجأه .
( 4 ) ويح كلمة ترحم وتوجع وقد تستعمل للمدح والتعجب .
( 5 ) يراوح بين منكبيه ؟ المنكب مجمع رأس الكتف والعضد والمعنى يشتغل بهذا مرة وبهذا مرة .
( 6 ) يرتطمون أي يسقطون في الوحل .
( 7 ) نظر إلى عابسا .