الدهر ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، صدع الدهر قناتي ، وأثكلني لداتي ، وأوهى عمادي ، وشيّب سوادي ، وأسرع في تلادى ، ولقد عشت زمنا أصبي الكعاب ، وأسرّ الأصحاب ، وأجيد الضّراب ، فبان ذلك عنّي ، ودنا الموت منّي ، وأنشأ يقول : [ الطويل ]
غبرت زمانا يرهب القرن جانبي * كأنّي شتيم « 1 » باسل القلب خادر « 2 »
يخاف عدوّي صولتي ويهابني * ويكرمني قرني وجاري المجاور
وتصبي الكعاب لمّتي « 3 » وشمائلي * كأنّي غصن ناعم النّبت ناضر
فبان شبابي واعترتني رثية « 4 » * كأنّي قناة أطّرتها المآطر
أدبّ إذا رمت القيام كأنني * لدى المشي قرم قيده متقاصر
وقصر الفتى شيب وموت كلاهما * له سائق يسعى بذاك وناظر
وكيف يلذّ العيش من ليس زائلا * رهين أمور ليس فيها مصادر
فقال معاوية : أحسنت القول ! واعلم أن لها مصادر فنسأل اللّه أن يجعلها من الصادرين بخير ، فقد أوردنا أنفسنا موارد نرغب إلى اللّه أن يصدرنا عنها وهو راض .
[ 1136 ] وحدثنا أبو بكر رحمه اللّه قال : أخبرنا عبد الرحمن ، عن عمه ؛ قال : قدم علينا البصرة رجل من أهل البادية شيخ كبير فقصدته فوجدته يخضب لحيته ، فقال : ما حاجتك ؟ فقلت : بلغني ما خصّك اللّه به فجئتك أقتبس من علمك ، فقال : أتيتني وأنا أخضب وإن الخضاب لمن علامات الكبر ، وطال واللّه ما غدوت على صيد الوحوش ، ومشيت أمام الجيوش ، واختلت بالرّداء ، وهؤت بالنساء ، وقريت الضيف ، وأرويت السّيف ، وشربت الراح ، ونادمت الجحجاح « 5 » ، فاليوم قد حناني الكبر ، وضعف مني البصر ، وجاء بعد الصّفو الكدر ، ثم قبض على لحيته وأنشأ يقول : [ البسيط ]
شيب تغيّبه كيما تغرّبه * كبيعك الثّوب مطويّا على حرق
قد كنت كالغصن ترتاح الرّياح له * فصرت عودا بلا ماء ولا ورق
صبرا على الدهر إن الدهر ذو غير * وأهله منه بين الصّفو والرّنق
قال أبو علي قال أبو زيد يقال : هؤت بالرجل خيرا أهوء به هوءا إذا أزننته « 6 » به ، وإنه لذو هوءة إذا كان ذا رأي ماضيا ، قال العجاج :
لا عاجز الهوء ولا جعد القدم
هامش
( 1 ) الشتيم : الأسد العابس . ط
( 2 ) الخادر : الأسد المقيم في خدره . ط
( 3 ) اللمة : الشعر المجاوز شحمة الأذن . ط
( 4 ) رثية : ضعف . ط
( 5 ) الجحجاح : السيد الكريم . ط
( 6 ) أزننته : ظننته . ط