قال أبو العباس : ها تنبيه والتقدير يفلقن بأسيافنا هام الملوك القماقم ، ثم قال : ها للتنبيه ، ثم قال مستفهما : من لم تنله سيوفنا ؟ قال أبو بكر : وسمعت شيخا منذ حين يعيب هذا الجواب ويقول : يفلقن هاما جمع هامة ، وهام الملوك مردود على هاما ، كما قال - جلّ ثناؤه - :
إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِراطِ اللَّهِ
[ الشوري : 52 - 53 ] فاحتججت عليه بقوله : لم تنله ، وقلت له : لو أراد الهام لقال : لم تنلها ؛ لأن الهام مؤنثة لم يؤثر عن العرب فيها تذكير ، ولم يقل أحد منهم : الهام فلقته ، كما قالوا : النخل قطعته ، والتذكير والتأنيث لا يعمل قياسا إنما يبنى فيه على السماع واتباع الأثر .
[ 853 ]
[ شعر في المراثي ، والاتعاظ بصمت الموت ] :
وأنشدنا أبو عبد اللّه نفطويه ، قال : أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لمطيع بن إياس الكوفي يرثى يحيى بن زياد الحارثي : [ الخفيف ]
وينادونه وقد صمّ عنهم * ثم قالوا وللنساء نحيب
ما الذي غال أن تحير جوابا * أيّها المصقع الخطيب الأديب
فلئن كنت لا تحير جوابا * فبما قد ترى وأنت خطيب
في مقال وما وعظت بشيء * مثل وعظ بالصّمت إذ لا تجيب
[ 854 ] وقرأت على أبي بكر في أشعار هذيل - ولم أر أحدا يقوم بأشعار هذيل غيره - لأبي خراش « 1 » الهذلي : [ الطويل ]
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا * خراش وبعض الشر أهون من بعض
فو اللّه لا أنسى قتيلا رزئته * بجانب قوسي « 2 » ما مشيت على الأرض
بلى إنّها تعفو الكلوم وإنما * نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
ولم أدر من ألقى عليه رداءه * خلا أنه قد سلّ عن ماجد محض
ولم يك مثلوج الفؤاد مهيّجا * أضاع الشّباب في الرّبيلة والخفض
ولكنّه قد لوّحته « 3 » مخامص « 4 » * على أنه ذو مرّة صادق النّهض
كأنهم يشّبّثون بطائر * خفيف المشاش « 5 » عظمه غير ذي نحض « 6 »
يبادر قرب الليل فهو مهابذ * يحثّ الجناح بالتبسّط والقبض
هامش
( 1 ) واسمه خويلد بن مرة مات زمن عمر بن الخطاب . ط
( 2 ) قوسي : بلد بالسراة قتل بها عروة أخو أبي خراش الهذلي ونجا ولده فقال : في ذلك الأبيات المذكورة . ط
( 3 ) لوحته : غيرته . ط
( 4 ) مخامص : جمع مخمصة وهي خلاء البطن من الطعام جوعا . ط
( 5 ) المشاش : العظام اللينة . ط
( 6 ) النحض : اللحم المكتنز . ط