أوفد المهلّب كعب بن معدان الأشقري « 1 » حين هزم عبد ربه الأصغر وأجلى قطريّا حتى أخرجه من كرمان نحو أرض خراسان ، فقال له الحجاج : كيف كانت محاربة المهلب للقوم ؟
قال : كان إذا وجد الفرصة سار « 2 » كما يسور الليث ، وإذا دهمته الطّحمة « 3 » راغ كما يروغ الثعلب ، وإذا مادة القوم صبر صبر الدهر ، قال : وكيف كان فيكم ؟ قال : كان لنا منه إشفاق الوالد الحدب ، وله منا طاعة الولد البرّ ، قال : فكيف أفلتكم قطريّ ؟ قال : كادنا ببعض ما كدناه به ، والأجل أحصن جنّة وأنفذ عدّة ، قال : فكيف اتبعتم عبد ربه وتركتموه ؟ قال : آثرنا الحدّ على الفلّ ، وكانت سلامة الجند أحبّ إلينا من شجب « 4 » العدو ، فقال له الحجاج :
أكنت أعددت هذا الجواب قبل لقائي ؟ قال : لا يعلم الغيب إلا اللّه .
* * * [ 838 ] وحدثنا أبو بكر رحمه اللّه قال : حدثنا أبو حاتم ؛ قال : أتيت أبا عبيدة ومعي شعر عروة بن الورد فقال لي : ما معك ؟ فقلت : شعر عروة ، فقال : فارغ حمل شعر فقير ليقرأه على فقير ، فقلت له : ما معي غيره ، فأنشدني أنت ما شئت ، فأنشدني : [ البسيط ]
يا ربّ ظلّ عقاب « 5 » قد وقيت بها * مهري من الشمس والأبطال تجتلد
وربّ يوم حمى أرعيت عقوته * خيلي اقتصارا وأطراف الفنا قصد « 6 »
ويوم لهو لأهل الخفض ظلّ به * لهوى اصطلاء الوغى وناره تقد
مشهّرا موقفي والحرب كاشفة * عنها القناع وبحر الموت يطّرد
وربّ هاجرة تغلي مراجلها * مخرتها بمطايا غارة تخد
تجتاب أودية الأفزاع آمنة * كأنّها أسد تقتادها أسد
فإن أمت حتف أنفي لا أمت كمدا * على الطّعان وقصر العاجز الكمد
ولم أقل لم أساق الموت شاربه * في كأسه والمنايا شرّع ورد
ثم قال : هذا الشّعر ! لا ما تعلّلون به أنفسكم من أشعار المخانيث ! قال أبو بكر ، والشعر لقطري بن الفجاءة .
* * * [ 839 ] وحدثنا قال : حدثنا أبو حاتم ، عن أبي زيد ، عن المفضّل الضبي ؛ قال :
هامش
( 1 ) ورد في الطبعة الأولى « الأشعري » بالعين المهملة ، وهو تحريف والتصويب عن إحدى النسخ المخطوطة المحفوظة بدار الكتب المصرية و « تاريخ الطبري » و « تاج العروس » مادة « شقر » . ط
( 2 ) سار : وثب وثار . ط
( 3 ) الطحمة : جماعة الناس . يريد جند العدو . ط
( 4 ) الشجب : الهلاك . ط
( 5 ) العقاب : الراية . ط
( 6 ) القصد كعنب : القطع مما يكسر : واحد قصدة . ط