فقلت له : يا هذا ، إنك لفي شغل عن هذا ، فقال : صدقت ، ولكن أنطقني البرق ، ثم اضطجع فما كان ساعة حتى مات ، فما يتوهّم عليه غير الحب . وكان أبو بكر بن دريد رحمه اللّه كثيرا ما ينشد آخر بيت من هذه الأبيات ، ثم أنشدني يوما : [ الطويل ]
ثقي بجميل الصبر منّي على الدهر * ولا تثقي بالصّبر مني على الهجر
وإني لصبّار على ما ينوبني * وحسبك أن اللّه أثنى على الصبر
ولست بنظّار إلى جانب الغنى * إذا كانت العلياء في جانب الفقر
[ 689 ]
[ شغل المجنون بمحبوبه في صلاته ! ] :
وأنشدنا أبو بكر بن الأنباري ، قال : أنشدنا أبو العباس للمجنون : [ الطويل ]
أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها * اثنتين صلّيت الضّحى أم ثمانيا
أراني إذا صلّيت يمّمت نحوها * بوجهي وإن كان المصلّى يمانيا
وما بي إشراك ولكنّ حبّها * كعود الشّجا أعيا الطبيب المداويا
[ 690 ]
[ صفات الزوج الصالح ، واختبار الناس قبل الحكم ، الجرح والتعديل ] :
وحدثنا أبو بكر رحمه اللّه قال : أخبرنا عبد الرحمن ، عن عمه ؛ قال : وصفت أعرابيّة زوجها بمكارم الأخلاق عند أمها ، فقالت : يا أمّه ، من نشر ثوب الثناء فقد أدّى واجب الجزاء ، وفي كتمان الشّكر جحود لما وجب من الحق ، ودخول في كفر النّعم ، فقالت لها أمها : أي بنيّة ! أطبت الثناء ، وقمت بالجزاء ، ولم تدعي للذم موضعا ، إني وجدت من عقل لم يعجل بذمّ ولا ثناء إلا بعد اختبار ، فقالت : يا أمّه ، ما مدحت حتى اختبرت ، ولا وصفت حتى عرفت .
[ 691 ]
[ من طرق شكر الناس الثناء عليهم والإخلاص لهم ] :
وحدثنا - أيضا . ، عن العكلي ، عن ابن أبي خالد ، عن الهيثم ؛ قال : كتب مالك بن أسماء بن خارجة إلى الهيثم بن الأسود النخعي ، يشكر له قيامه بأمر رجل من آل حذيفة بن بدر عند الحجاج حتى خلّصه منه : أما بعد ، فإنه لما كلّت الألسن عن بلوغ ما استحققت من الشكر ، كان أعظم الحيل عندي في مكافأتي إخلاصك صدق الضمير ، وكما لم نعرف الزيادة في العلا إذ جريت غاية طولك جهلنا غاية الثناء عليك ، فليس لك من الناس إلا ما ألهموا من محبتك ، فأنت كما وصف الواصف إذ يقول :
فما تعرف الأوهام غاية مدحه * يقينا كما ليست بغايته تدري
[ 692 ]
[ مواضع الإيجاز والإكثار ] :
وحدثنا أبو بكر بن الأنباري ، قال : حدثني أبي ، عن بعض أصحابه ، قال :
وقّع جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك في كتاب صديق له : ما جاوزتني نعمة خصصت بها ، ولا قصرت دوني ما كان بك محلّها . قال : ووقّع إلى عمرو بن