تعلّمهما معا فقد أطاع ، وإن تعلّم أحدهما فقد أطاع ، فهي في هذه المعاني الثلاثة بمنزلة « أو » والفرق بينهما أنك إذا قلت : جاءني إمّا زيد وإمّا جعفر ، فقد بنيت كلامك على الشكّ ، وإذا قلت : جاءني زيد أو جعفر ، فإنّما اعترضك الشكّ بعد أن مضى صدر كلامك على اليقين « 1 » .
ومن الفرق بينهما أن « إمّا » ليست من حروف العطف ، كما زعم بعض « 2 » النحويّين ، لأنه لا يخلو أن تكون الأولى منهما عاطفة أو الثانية ، فلا يجوز أن تكون الثانية عاطفة ؛ لأنّ الواو معها ، والواو هي الأصل في العطف ، فإن جعلت « إمّا » عاطفة فقد جمعت بين عاطفين ، ولا يجوز أن تكون الأولى عاطفة ؛ لأنها تقع بين العامل والمعمول ، كقولك : خرج إمّا زيد وإمّا بكر ، ولقيت إمّا زيدا وإمّا بكرا ، فهل عطفت الفاعل على رافعه ، أو المفعول على ناصبه ؟ فأمّا قوله تعالى :
حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ
« 3 » فانتصاب
الْعَذابَ
على أنه بدل من قوله :
ما يُوعَدُونَ
وإنما ذكرها من ذكرها من النّحويّين في حروف العطف تقريبا ؛ لأنها بمعنى « أو » ولأنّ إعراب ما بعد الثانية كإعراب ما قبلها .
وقد أجازوا أن تأتى بها غير مكرّرة ، وذلك إذا كان في الكلام عوض من تكريرها « 4 » ، كقولك : إمّا أن تكلّمنى كلاما جميلا وإلّا فاسكت ، المعنى : وإمّا أن تسكت ، واستشهدوا بقول المثقّب العبدىّ :
فإمّا أن تكون أخي بصدق * فأعرف منك غثّي من سمينى « 5 »
هامش
( 1 ) هذا من كلام المبرد في المقتضب 1 / 11 .
( 2 ) هو أبو علي الفارسي ، كما جاء بحواشى الأصل . وقد صرّح به في الإيضاح ص 289 ، والبغداديات ص 319 ، والمسائل المنثورة ص 186 ، وكتاب الشعر ص 7 ، ثم انظر بدائع الفوائد 4 / 201 ، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم 1 / 338 .
( 3 ) سورة مريم 75 ، وانظر دراسات 1 / 340 .
( 4 ) راجع الأزهية ص 149 ، والدراسات 1 / 337 .
( 5 ) البيتان الأوّلان مقطوع بنسبتهما إلى المثقّب ، وهما من مقطوعه في ديوانه ص 211 ، 212 ، وانظر تخريجهما في صدر القصيدة . أما البيت الثالث فقد اختلف في نسبته اختلافا كثيرا ، وسبق الكلام -