تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي ابن الشجري — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
وأقول : إنّ قربك زيدا ، تقديره : في قربك ، ولم يجز : إنّ بعدك زيدا ، لأنهم لم يصرّفوا البعد تصريف القرب ، فيقولوا : إن في بعدك زيدا ؛ لعلّة أذكرها لك : قال النحويّون : إنما صار الدّنوّ أشدّ تمكّنا ؛ لأن الظروف موضوعة على القرب ، أو على أن يكون ابتداؤها من قرب ، فالموضوع على القرب : عند ولدن ، وما كان في معناهما ، يريدون بما كان في معناهما : صددك وصقبك « 1 » وتجاهك وإزاءك وحذاءك وتلقاءك وقبلك « 2 » وقبالتك ، ونحو ذلك . وأمّا ما يكون ابتداؤه من قرب : فالجهات المحيطة بالأشياء ، كقدّام وخلف ويمنة ويسرة وفوق وتحت ، فإذا قلت : زيد خلف عمرو ، فهو مطلوب خلفه من أقرب ما يليه ؛ لأنّ للقرب حدّا ، والبعد لا نهاية له ولا حدّ . ويكشف هذا أننا إذا قلنا : قربك زيد ، طلبه المخاطب فيما قرب منه ، وذلك ممكن مفهوم ، وإذا قلنا : بعدك زيد ، لم يمكن ذلك فيه . ونذكر ما قاله المفسّرون في تذكير
قَرِيبٌ
مع تأنيث الرحمة ، من قوله تعالى :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
« 3 » قال أبو إسحاق الزجّاج : إنما قيل
هامش
( 1 ) في الكتاب 1 / 407 ، 411 « سقبك » بالسين ، وكلاهما صواب ، فالسّين والصاد يتعاقبان . ومعناهما القرب . والصّدد : القصد . ( 2 ) في الأصل : « قبلتك » وأثبت ما في د ، ومثله في الصحاح ، وهو بضم القاف . ( 3 ) سورة الأعراف 56 ، وقد شغلت هذه الآية أهل العلم من المفسّرين والمعربين واللغويّين ، وممّن أطال الكلام فيها الإمام ابن قيّم الجوزيّة ، فقد ذكر فيها اثنى عشر وجها . انظر بدائع الفوائد 3 / 18 ، وما بعدها . وانظر معاني القرآن للفراء 1 / 380 ، وتفسير الطبري 12 / 488 ، والبحر 4 / 312 ، والقرطبي 7 / 227 ، وسائر كتب التفسير وإعراب القرآن ، والمذكر والمؤنث لابن الأنباري ص 462 ، والتنبيه والإيضاح ، المعروف بحاشية ابن برّى على الصحاح 1 / 126 ، والمغنى ص 512 . هذا ولابن هشام رسالة أفردها في هذه المسألة . وقد نشرت باسم ( مسألة الحكمة في تذكير قريب في قوله تعالى :إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَنشرها الدكتور عبد الفتاح الحموز . دار عمار . الأردن . وقد ذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر 3 / 268 ، مع ما ذكره من أقوال العلماء .
أمالي ابن الشجري — صفحة 588 | محمود محمد الطناحي / هبة الله بن علي الحسني العلوي ( ابن الشجري )