وقال الزجّاج : إن « لا » ردّ ، أي لا ، ليس الأمر كما وصفوا ، جرم أن لهم النار ، أي وجب ، حكى ذلك عن قطرب « 1 » .
وقال غيرهما : إنّ « لا » زائدة ، وجرم فعل ماض معناه : ثبت وحقّ ، والفرّاء لا يرى زيادة « لا » في أول الكلام ، فجرم على قوله اسم منصوب بلا ، على التّبرئة .
وقال أبو العباس المبرّد : إذا قلت : لا محالة أنك ذاهب ، ولا بدّ أنك ذاهب ، فأنّك : في موضع رفع ، بمنزلة « أفضل » في قولك : لا رجل أفضل منك « 2 » .
وأقول : إن قوله : لا جرم إذا كان بمعنى لا بدّ ولا محالة [ فإنّ حرف الجرّ مقدّر في الخبر ، فالتقدير : لا بدّ من أنّ لهم النار ولا محالة « 3 » ] في أنّ لهم النار ، كما تقول :
لا بدّ من هذا ، ولا محالة في هذا .
والضّرب الثاني من ضروب « لا » : أنّ من العرب من شبّهوها بليس ، فرفعوا بها الاسم ، ونصبوا بها الخبر ، وألزموا اسمها التنكير ، فقالوا : لا رجل حاضرا ، ولا غلام عندي ، قال الشاعر :
من صدّ عن نيرانها * فأنا ابن قيس لا براح « 4 »
أراد : لا براح لي ، وقد بسطت الكلام في هذا النحو فيما تقدّم « 5 » ، وذكرت أن أبا الفتح عثمان لمّا ذكر في تفسيره لشعر المتنبي قوله :
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى * فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
هامش
3 / 138 ، وإعراب القرآن للنحاس 2 / 84 ، وأمالي المرتضى 1 / 110 ، وجواهر الأدب ص 439 ، والخزانة 10 / 283 .
( 1 ) معاني القرآن 3 / 207 ، وفيه : المعنى جرم فعلهم هذا أن لهم النار ، أي كسب فعلهم أنّ لهم النار . وانظر جمال القرّاء ص 587 .
( 2 ) لم أجد هذا الكلام في المقتضب ، وإن تكلم على « لا جرم » في 2 / 351 . وقد حكى النحاس رأى المبرّد هذا ، راجع الموضع المذكور من إعراب القرآن .
( 3 ) سقط من الأصل ، واستكملته من د .
( 4 ) فرغت منه في المجلس الحادي والثلاثين .
( 5 ) في المجلس المذكور ، وأيضا في المجلس الخامس والثلاثين .