أراد : لولا تعدّون « 1 » الكميّ ، أي ليس فيكم كميّ فتعدّوه .
والضرب الآخر ، يدخل على جملتين ؛ فيربط إحداهما بالأخرى ، ويجعل الثانية جوابا للأولى ، فالأولى منهما مبتدأ وخبر ، والثانية فعل وفاعل ، ويحتاج إلى اللام في الجواب ، كاحتياج « لو » إليها في نحو : لو جئتني لأكرمتك ، تقول : لولا زيد لجئتك ، فزيد رفع بالابتداء ، وخبره محذوف لعلم السامع به ، تقديره : لولا زيد حاضر أو عندك ، أو نحو ذلك ممّا يعرفه المخاطب ، لجئتك .
وجعل سيبويه أصل المسألة « 2 » : زيد بالبصرة خرج عمرو ، فلا تعلّق لإحدى الجملتين بالأخرى ، فإذا / دخلت « لولا » علّقت أحد الكلامين بالآخر ، فقلت :
لولا زيد لخرج عمرو ، حذفوا الخبر حين فهم المعنى مع كثرة الاستعمال .
وأقول : إنّ خبر المبتدأ بعد « لولا » قد ظهر في قوله تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ
« 3 » وكذلك
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ
« 4 » وربّما جاء بعدها مكان المبتدأ الفعل والفاعل ، لاستواء هاتين الجملتين في المعنى ، ألا ترى أن قولك : زيد قام ، وقام زيد ، معناهما واحد ، قال الجموح أحد بنى ظفر ، من سليم بن منصور :
لا درّ درّك إنّى قد رميتهم * لولا حددت ولا عذرى لمحدود « 5 »
هامش
( 1 ) قدّره ابن هشام ، « لولا عددتم » وأورد عليه كلاما ، انظره في الموضع السابق من المغنى ، وراجع الخزانة 3 / 56 .
( 2 ) لم أعرف موضعه في الكتاب ، لكنّ سيبويه ذكر شيئا قريبا منه في 2 / 129 .
( 3 ) سورة النساء 83 .
( 4 ) السورة نفسها 113 . وقد تعقب ابن هشام ابن الشجري في ظهور خبر المبتدأ بعد « لولا » بما ذكرته في دراستي ص 62 ، وانظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم 2 / 678 ، 680 ، 681 .
( 5 ) البيت من قصيدة للجموح في شرح أشعار الهذليين ص 871 ( في يوم نبط ، وهو يوم ذات البشام ) وذكر ابن برى أن البيت ينسب أيضا لراشد بن عبد ربه السلمى . التنبيه والإيضاح 2 / 164 .
و « راشد بن عبد ربه » هذا صحابىّ جليل ، وكان اسمه غويّا أو غاويا ، فسمّاه النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم راشدا . الإصابة 2 / 434 .
-