الكلام على آية قوله تعالى : يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ
« 1 » أي يدعو الوثن الذي لا يضرّ ولا ينفع ، ولا يبصر ولا يسمع ، وقوله :
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
ومعناه : الضّرر بعبادته أقرب من النفع بها .
فإن قيل : كيف قال :
أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
ولا نفع من قبله ألبتّة ؟
قيل : لمّا كان في قوله :
لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
تبعيد لنفعه ، والعرب تقول لما لا يصحّ في اعتقادهم تكوّنه : هذا بعيد ، جاز الإخبار ببعد نفع الوثن ، والشاهد بذلك قوله تعالى حاكيا عنهم :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
« 2 » .
واختلف المفسّرون في هذه اللام ، فذهب قوم من البصريّين والكوفيّين إلى أنّ معناها التأخير ، فالتقدير : يدعو من لضرّه أقرب من نفعه ، وجاز تقديمها وإيلاؤها المفعول ؛ لأنها لام التوكيد واليمين ، فحقّها أن تقع أوّل الكلام ، فقدّمت لتعطى حقّها ، وإن كان الأصل أن يليها المبتدأ ، كما أن لام « إنّ » حقّها أن تدخل على اسم إنّ ، فلما لم يجز أن تلى إنّ ، لأنها بمعناها في التوكيد ، وفي تلقّى اليمين بها ، جعلت في الخبر ، كقولك : إنّ زيدا لقائم « 3 » ، لمّا لم يجز : إنّ لزيدا قائم ، فإذا أمكن أن تدخل على الاسم كان ذلك أجود ، كقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
« 4 » فتقديمها على المفعول
هامش
( 1 ) سورة الحج 12 ، 13 ، وانظر معاني القرآن للفراء 2 / 217 ، وإعراب القرآن للنحاس 2 / 392 ، وإعراب القرآن المنسوب خطأ إلى الزجاج ص 690 ، 691 ، وتفسير القرطبي 12 / 19 ، وسرّ صناعة الإعراب ص 401 ، واللامات للهروي ص 76 ، 77 ، وإيضاح شواهد الإيضاح ص 768 ، والمغنى ص 414 ، والبحر المحيط 6 / 355 - 357 ، وستأتيك الإحالة على كتابي الأخفش والزجاج .
( 2 ) الآية الثالثة من سورة ق . وهذا الاعتراض وجوابه من كلام الزجاج ، في معاني القرآن 3 / 415 .
( 3 ) وهذه هي اللام المزحلقة ، بفتح اللام وكسرها .
( 4 ) سورة البقرة 248 ، وغير ذلك من الكتاب الحكيم .