فإن قلت : فلعله أراد بالعواذل : العذّال ، فجعل فواعل للمذكر ضرورة ، كما قال الفرزدق « 1 » [ من الكامل ]
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم * خضع الرّقاب نواكس الأبصار « 2 »
فالجواب : أن قوله : « وقلت لهن » ، يمنع من ذلك ، وليس يمتنع عندي أن يكون الشاعر انصرف عن الإخبار عن المؤنث إلى المذكر مجازا ، كما ينصرفون عن المخاطب إلى الغائب ، وعن الغائب إلى المخاطب . وذلك كثير تغني شهرته عن ذكره ، ويدل على ذلك أنه قال بعد هذا « 3 » :
فقالوا : ما لدمعهما سواء * أكلتا مقلتيك أصاب عود
فهذا الضمير لا يصح فيه إلا التذكير على هذه الرواية . ولو روي هذا البيت :
فقلن نرى دموعهما سواء
لكان أجود ، وأبعد من المجاز . ولم أر فيه رواية ثانية غير رواية أبي علي ، ولو أنشده منشد :
فقلن ما لدمعهما سواء
[ 108 ] لكان جائزا في العروض ، ويكون الجزء الأول من البيت معقولا « 4 » ، ومعنى العقل في الوافر سقوط الحرف الخامس من الجزء ، فيرجع الجزء من « مفاعلتن » إلى « مفاعلن » .
هامش
( 1 ) البيت للفرزدق في ديوانه 1 / 304 ، وخزانة الأدب 1 / 206 ، 208 ، وشرح التصريح 2 / 313 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 39 ، وشرح المفصل 5 / 56 ، والكامل 574 .
( 2 ) يزيد : هو اليزيد بن المهلب . وقال المبرد في الكامل ص 574 : ( وفي هذا البيت شيء يستطرفه النحويون ، وهو أنهم لا يجمعون ما كان من فاعل نعتا على فواعل ، لئلا يلتبس بالمؤنث ، لا يقولون : ضارب وضوارب ، وقاتل وقواتل ، لأنهم يقولون في جمع ضاربة ضوارب ، وقاتلة قواتل ، ولم يأت ذا إلّا في حرفين أحدهما في جمع فارس فوارس لأن هذا مما لا يستعمل في النساء فأمنوا الالتباس ، ويقولون في المثل : « هو هالك في الهوالك » فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال لأنه مثل ، فلما احتاج الفرزدق لضرورة الشعر أجراه على أصله فقال : « نواكس الأبصار » ولا يكون مثل هذا أبدا إلا في ضرورة ) .
( 3 ) ديوان بشار 4 / 40 ، والزهرة 416 ، والأغاني 4 / 29 ، وشرح الجواليقي 123 ، وأمالي القالي 1 / 50 .
( 4 ) في كتاب الكافي 53 : ( وإنما سمي معقولا لأنه لما سكّن لم يمتنع مع ذلك إسقاط سابعه ، فلما سقط امتنع أن سقط سابعه ، وأصل العقل في اللغة : المنع ) .