ويروى « 1 » أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كتب إلى ملك الروم كتابا فلم يختمه ، فقيل له : إنه لا يقرأ إن لم يكن مختوما . فأمر أن يعمل له خاتم ، وينقش على فصّه : محمد رسول اللّه . فصار الخاتم سنّة في الإسلام .
وقد قيل : إن أول من ختم الكتب سليمان بن داود عليهما السلام . وقالوا في تأويل قوله عزّ وجل :
إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
« 2 » أي مختوم .
وأول من كتب من فلان إلى فلان : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فصار ذلك سنّة . يكتب الكتاب ويبدأ باسمه قبل اسم من يخاطبه . ولا يكتب لقبا ولا كنية ، حتى ولّي عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه وتسمى بأمير المؤمنين ، فكتب : من أمير المؤمنين عمر . فجرت السنة بذلك إلى أيام الوليد بن عبد الملك ، فكان الوليد أول من اكتنى في كتبه ، وأول من عظّم الخطّ [ 105 ] والكتب « 3 » ، وجوّد القراطيس ، ولذلك قال أبو نواس :
[ من الكامل ]
سبط مشافرها دقيق خطمها * وكأنّ سائر خلقها بنيان « 4 »
واحتازها لون جرى في جلدها * يقق كقرطاس الوليد هجان
وأمر ألا يتكلّم بحضرته ، وألا يتكلّم عنده إلا بما يجب . وقال : لا أكاتب الناس بمثل ما يكاتب به بعضهم بعضا . فجرت سنّة الوليد بذلك . إلا في أيام عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ، ويزيد الكامل « 5 » . فإنهما لما ولّيا ، ردّا الأمر إلى ما كان عليه في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وزمن صحابته رضى اللّه عنهم . فلما ولّي مروان بن محمد رجع إلى أمر الوليد فجرى العمل بذلك إلى اليوم .
كمل شرح الخطبة وما تعلق بها من الزوائد ، بحمد اللّه وحسن عونه .
وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم .
هامش
( 1 ) الأوائل 1 / 141 ، وطبقات ابن سعد 1 / 473 .
( 2 ) النمل : 31 .
( 3 ) سقطت من « ط » .
( 4 ) ديوان أبي نواس ص 404 .
( 5 ) هو الخليفة يزيد بن الوليد ، المشهور بيزيد الناقص . انظر ما تقدم ص 98 .