ثم إن المأمون تقدّم إلى ذي الرئاستين ، بأن يجمع حروف قلم النّصف ويباعد ما بين سطوره ، ففعل ذلك ، ويسمى القلم الرّئاسيّ ، فصارت المكاتبة عن السلطان بقلم النّصف ؛ والقلم الرئاسي ، والمكاتبة إليهم بحرفيهما « 1 » . والمكاتبة من الوزراء إلى العمّال بقلم الثّلث ، ومن العمّال إليهم من الوزراء إلى السلطان بقلم المنشور ، عوضا من مفتح الشامي وتصغير المنشور ، وسمّيا قلم المؤامرات ، وقلم الرّقاع ، وهو صغير الثلث ، للحوائج والظّلامات . وقلم الحلية وغبار الحلية ، وصغيرهما للأسرار ، والكتب التي تنفذ على أجنحة الأطيار .
قال ابن مقلة : وأكثر أهل هذا الزمان لا يعرفون هذه الأقلام ، ولا يدرون ترتيبها وليس بأيديهم منها إلا قلم المؤامرات ، وصغير الثلث ، وقلم الرّقاع . وقد اقتصر كل كاتب على ما وقف عليه خطه ، من صغر أو كبر ، أو ضعف أو قوة ، أو رخامة أو حلاوة ، كاقتصارهم في سائر الأمور على البخوت والحظوظ .
وقال أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة في كتاب آلة الكتاب : ذكر أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال : أول من وضع الخط نفر من طيّئ بن بولان ، وهم مرامر ابن مرة ، وأسلم بن سدرة وعامر بن جدرة ، فساروا إلى مكة ، فتعلّمه منهم شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب « 2 » ، وهشام بن المغيرة المخزومي . ثم أتوا الأنبار ، فتعلّمه نفر منهم . ثم أتوا الحيرة ، وعلّموه جماعة ، منهم : سفيان بن مجاشع بن عبد اللّه بن دارم ، وولده يسمون بالكوفة بني الكاتب . ثم أتوا الشام فعلّموه جماعة ، فانتهت الكتابة إلى رجلين من أهل الشام ، يقال لهما الضّحّاك وإسحاق بن حمّاد « 3 » . وكانا يخطّان الجليل . فأخذ إبراهيم بن السّجزيّ « 4 » الخطّ الجليل عن إسحاق بن حمّاد ، [ 89 ] واخترع منه خطّا أخفّ منه ، فسماه الثّلثين . وكان أخطّ أهل دهره بقلم الثلثين . ثم اخترع قلما أخف من الثلثين ، وسماه الثلث ، وأقام ابن المخيس وصالح السّجزيّ على الخط الجليل ،
هامش
( 1 ) في « ط » : ( يجفيهما ) .
( 2 ) في ط : ( شيبة بن ربيعة وأبو الحارث بن سفيان بن عبد سفيان بن الحارث المطلب ) .
( 3 ) الضحاك وإسحاق بن حماد رجلان من أهل الشام كانا يخطان الجليل ، انتهت إليهما جودة الخط ، عاش الضحاك في خلافة السفاح أول خلفاء بني العباس . انظر صبح الأعشى 3 / 12 .
( 4 ) في « ط » : ( السنجري ) .