وأكثر مالا ، وأنا أمسك عليك وعلى ولدك ، فقالت ماوية : صدقت إنه لكذلك فلم يزل بها حتى طلّقت حاتما .
وكانت النساء أو بعضهنّ يطلّقن الرجال في الجاهلية . وكان طلاقهنّ أنهنّ يحوّلن أبواب بيوتهنّ إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب ، وإن كان الباب قبل اليمن جعلنه قبل الشام ، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلّقته فلم يأتها .
فأتى حاتم فوجدها قد حوّلت باب الخباء فقال لابنه : يا عديّ ما ترى أمك ؟ ما عدا عليها ! قال : لا أدري غير أنها غيّرت باب الخباء - وكأنه لم يلحن ( 1 ) لما قال .
فدعاه فهبط به بطن واد .
وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء ، كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلا فضاقت بهم ماوية ذرعا . فقالت لجاريتها : اذهبي إلى مالك فقولي له إن أضيافا لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلا فأرسل إلينا بناب نقرهم ولبن نغبقهم ( 2 ) .
وقالت لجاريتها : انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه وإن ضرب بلحييه على زوره فارجعي ودعيه .
فلما أتت مالكا وجدته متوسّدا وطبا من لبن ، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت :
إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه ، فأدخل يده في رأسه ، وضرب بلحييه على زوره ، فقال لها : أقرئي عليها السلام ، وقولها لها : هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتما من أجله . فما عندي من كبيرة ، قد تركت العمل ، وما كنت لأنحر صفية ( 3 ) غزيرة بشحم كلاها ، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم ! .
فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت به ، وأعلمتها بمقالته ، فقالت لها : ويلك ائتي حاتما فقولي له : إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا ، ولم يعلموا بمكانك . فأرسل إلينا بناب ننحرها ونقرهم ، وبلبن نسقهم ، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا مكانك .
فأتت الجارية حاتما فصرخت به ، فقال حاتم : لبّيك ؟ قريبا دعوت ! فقالت : إن ماوية تقرأ عليك السلام ، وتقول لك : إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة ، فأرسل إليهم بناب ننحرها لهم ولبن نسقهم . فقال : نعم وأبي ! ثم قام إلى الإبل فأطلق ثنيتين ( 4 ) من
هامش
( 1 ) لم يلحن : لم يفطن .
( 2 ) الغبوق : الشرب بالعشي . وغبقة : سقاه إياه في هذا الوقت .
( 3 ) الصفية : الناقة الغزيرة .
( 4 ) الثنية : الناقة الطاعنة في السادسة .