فاستأذنته في الدعاء له ؛ فأذن لها . وقال لأصحابه : اسمعوا وعوا . فقالت :
أصاب اللّه ببرّك مواقعه ، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة ، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سببا في ردّها إليه .
فلما أطلقها رجعت إلى أخيها عديّ وهو بدومة الجندل ، فقالت له : يا أخي ائت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله ، فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة ، ورأيت خصالا تعجبني ؛ رأيته يحب الفقير ، ويفكّ الأسير ، ويرحم الصغير ، ويعرف قدر الكبير ، وما رأيت أجود ولا أكرم منه ، فإن يكن نبيّا فللسابق فضله ، وإن يكن ملكا فلن تزال في عزّ ملكه ، فقدم عديّ إلى رسول اللّه فأسلم ، وأسلمت سفانة ! .
- 6 -
ويروى ( 1 ) أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيئ في دماء حملها عن قومه ، فأسلموه فيها ، وعجز عنها ؛ فقال : واللّه لآتينّ من يحملها عني . وكان شريفا شاعرا شجاعا .
فلما قدم عليه قال : إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها ( 2 ) ، وإني حملتها في مالي وأهلي . فقدمت مالي وأخّرت أهلي ، وكنت أملي ، فإن تحملتها فربّ حق قد قضيته ، وهمّ قد كفيته ، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك ؛ ولم أيأس من غدك ؛ ثم أنشأ يقول : [ الطويل ]
حملت دماء للبراجم جمة * فجئتك لمّا أسلمني ( 3 ) البراجم
وقالوا سفاها : لم حملت دماءنا * فعلت لهم : يكفي الحمالة حاتم
متى آته فيها يقل لي مرحبا * وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم ( 4 )
فيحملها عنّي ، وإن شئت زادني * زيادة من جلّت عليه المكارم
يعيش الندي ما عاش حاتم طيئ * فإن مات قامت للسخاء مآتم
ينادين : مات الجود معك فلا ترى * مجيبا له ما حام في الجو حاتم
وقال رجال : أنهب العام ماله * فقلت لهم : إني بذلك عالم
ولكنه يعطي من أموال طيئ * إذا جلف ( 5 ) المال الحقوق اللوازم
هامش
( 1 ) الأغاني ص 246 ج 8 ، ذيل الأمالي ص 22 ، السمط ص 12 .
( 2 ) تواكلوا : اتّكل بعضهم على بعض .
( 3 ) أسلمه : خذله . والبراجم : قوم من أولاد حنظلة بن مالك .
( 4 ) الأشائم : ضدّ الميامن .
( 5 ) جلف : ذهب به واستأصله .