ويروى ( 1 ) أن امرأ القيس آلى ( 2 ) بألية ألّا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنتين ؛ فجعل يخطب النساء ؛ فإذا سألهنّ عن هذا قلن : أربعة عشر .
فبينا هو يسير في جوف الليل إذ هو برجل يحمل ابنة له صغيرة كأنها البدر ليلة تمامه ، فأعجبته ؛ فقال لها : يا جارية ! ما ثمانية وأربعة واثنتان ؟ فقالت : أما ثمانية فأطباء ( 3 ) الكلبة ؛ وأما أربعة فأخلاف ( 4 ) الناقة ، وأما اثنتان فثديا المرأة .
فخطبها إلى أبيها ، فزوّجه إيّاها ، وشرطت عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال ؛ فجعل لها ذلك ، وأن يسوق إليها مائة من الإبل وعشرة أعبد وعشر وصائف وثلاثة أفراس ؛ ففعل ذلك .
ثم إنه بعث عبدا له إلى المرأة ؛ وأهدى إليها نحيا ( 5 ) من سمن ونحيا من عسل وحلّة من عصب ( 6 ) ، فنزل العبد ببعض المياه فنشر الحلّة ولبسها فتعلقت بعشرة ( 7 ) فانشقّت ؛ وفتح النحيين فطعم أهل الماء منهما فنقصا .
ثم قدم على حيّ المرأة وهم خلوف ( 8 ) فسألها عن أبيها وأمها وأخيها ودفع إليها هديتها ، فقالت له : أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا وأن أمي ذهبت تشقّ النفس نفسين ، وأن أخي يرعى الشمس ، وأن سماءكم انشقت ، وأن وعاءيكم نضبا ( 9 ) .
فقدم الغلام على مولاه فأخبره . فقال : أما قولها : إن أبي ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا ، فإن أباها ذهب يحالف قوما على قومه . وأما قولها : ذهبت أمي تشقّ النفس نفسين ، فإن أمها ذهبت تقبل ( 10 ) امرأة نفساء . وأما قولها : إن أخي يرعى الشمس ، فإن أخاها في سرح ( 11 ) له يرعاه فهو ينتظر وجوب ( 12 ) الشمس ليروح ( 13 )
شرح
( 1 ) الأغاني ص 101 ج 9 ، نهاية الأرب ص 155 ج 3 ، وبلوغ الأرب ص 27 ج 1 .
( 2 ) آلى : أقسم .
( 3 ) الأطباء : حلمات الضرع لذي خفّ وظلف وحافر وسبع .
( 4 ) الأخلاف : حلمات ضرع الناقة .
( 5 ) النحي : السقاء أو ما كان للسمن خاصة .
( 6 ) العصب : نوع من البرود .
( 7 ) العشرة : واحدة العشر ، وهو من كبار الشجر ، وله صبغ حلو .
( 8 ) خلوف : غيب .
( 9 ) المراد نقصا .
( 10 ) يقال : قبلت القابلة المرأة إذا تلقّت ولدها عند ولادته .
( 11 ) السرح : الإبل السائمة .
( 12 ) وجوب الشمس : غروبها .
( 13 ) ليرجع .