ونهضت بأعبائها ، واستقللت بثقلها يقول لي : لا تعرف فحوى النّقطة ، فنازعتني نفسي في معاجلته بغليظ العقوبة ، ثم استعطفني الحلم إلى الأخذ بالفضل .
ودعا بغلامه وقال : ائتني بالتّخت ، فو اللّه ما رأيت مخلوقا بأسرع إحضارا له من ذلك الغلام ، فأتاه ، فتخيّلت به هيئة منكرة ولم أدر ما هو ، وجعلت أصوّب الفكر فيه تارة وأصعّد أخرى ، وأجيل الرأي مليا وأطرق طويلا ، لا أعلم أيّ شيء هو ، أصندوق هو ؟
فإذا ليس بصندوق ، أتخت هو ؟ فإذا ليس بتخت ، فتخيّلته كتابوت لحد . فقلت : لحد الملحد يلحد به وبالنّاس عن الحقّ . ثم أخرج من كمّه ميلا عظيما فظننته متطبّبا وإنّه لمن شرار المتطبّبين .
فقلت له : إن أمرك لعجب كلّه ولم أر في أميال المتطبّبين كميلك ، أتفقأ به الأعين ؟
فقال : لست متطبّبا ولكنّي أخطّ به الهندسة على هذا التّخت .
فقلت له : إنك وإن كنت مباينا للنّصرانيّ في دينه ، إنك لمؤازره في كفره ، أتخطّ على تخت بميلك لتعدل بي عن وضح الفجر إلى غسق اللّيل ؟ وتميل بي إلى الكذب باللّوح المحفوظ وكاتبيه الكرام ؟ أإياي تستهوي ؟ أم حسبتني ممّن يهتزّ لمكايدكم ؟
أخلاق الوزيرين ( مثالب الوزيرين الصاحب ابن عباد وابن العميد ) — صفحة 244
مساهمون: محمد بن تاويت الطنجي
ص٢٤٤