فأتاني بشيخ ديرانيّ شاخص النظر ، منتشر عصب البصر ، طويل مشذّب ، محزوم الوسط ، متزمّل في مسكه ، فاستعذت بالرّحمن إذ نزغني الشيطان ، ومجلسي قد غصّ بالأشراف من كل الأطراف ، كلّهم يرمقه ويتشوّف إلى رفعي مجلسه وإدنائه وتقريبه ، ويعظّمونه ويحيّونه ، واللّه محيط بالكافرين .
فأخذ مجلسه ، ولوى أشداقه ، وفتح أوساقه ، فتبيّنت في مشاهدته النّفاق ، وفي ألفاظه الشقاق .
فقلت له : بلغني أن عندك معرفة بالهندسة ، وعلما واصلا إلى فضل يفيد الناظر فيه حكمة وتقدّما في كل صناعة ؛ فهلمّ أفدنا شيئا منها عسى أن يكون عونا لنا على دين أو دنيا ، وزينا في مروّة أو مفاخرة لدى الأكفاء ، ومفيدا نسكا وزهدا ، و
« ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »
« 1 » ،
« فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ »
« 2 » ،
« وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ »
« 3 » .
قال : فأحضرني دواة وقرطاسا ، فأحضرتهما ، فأخذ القلم فنكت
هامش
( 1 ) سورة التوبة 72 .
( 2 ) سورة آل عمران 185 .
( 3 ) سورة فاطر 17 .