غير أن تلك الأنسة « 1 » وذلك التبذّل يستخرج من كلّ واحد منهما ما لم يكن ليظهر منه عند الانقباض « 2 » والتشدّد ، ولو التمس ملتمس مثل ذلك عند من يستأنف ملاطفته ومؤانسته إن كان ذا فضل في الرأي والعلم لم يجد عنده ، مثل ما هو منتفع ممّن هو دون ذلك في الرأي ممّن قد كفي مؤانسته ووقع على طباعه ،
لأن الأنسة روح القلب والوحشة روع عليه « 3 » ، ولا يلتاط « 4 » بالقلوب إلا ما لان عليها .
ومن استقبل الأنس بالوحشة استقبل أمرا ذا مئونة ، فإذا كلفتك نفسك السموّ إلى منزلة من وصفت فاقعدها من ذلك بمعرفة فضل الأليف والأنيس .
وإذا حدّثتك نفسك أو غيرك ممّن لعلّه يكون له ، فضل في المروءة . .
أنك أولى بالمنزلة عند الكبير من بعض دخلائه وثقاته ، فاذكر الذي عليه من حقّ أليفه وثقته وأنيسه في التكرمة والمكانة .
والذي يعينه على ذلك من الرأي أنّه يجد عنده من الألف والأنس ما ليس واجدا عند غيره ، فليكن هذا ممّا تتحفّظ فيه على نفسك وتعرف فيه عذر الرجل ورأيه .
والرأي فيه لنفسك مثل ذلك . . إن أرادك مريد على الدّخول دون أنيسك وأليفك وموضع ثقتك وجدّك وهزلك .
24 - واعلم أنّه تكاد تكون لكلّ رجل غالبة حديث ، إمّا عن بلد من البلدان أو ضرب من ضروب العلم أو صنف من صنوف الناس أو وجه من وجوه الرأي .
وعندما يغرم به الرجل من ذلك يبدو منه السخف ويعرف منه الهوى ، فاجتنب ذلك في كلّ موطن ثم عند أولي الأمر خاصة .
هامش
( 1 ) الأنسة : الاستئناس .
( 2 ) الانقباض : خلاف الانبساط والاتّساع .
( 3 ) الروع : الخوف .
( 4 ) يلتاط بالقلوب : يلتصق بها .