وإمّا ألا يكون ذلك عندك فما أنت مصيب من حاجتك عندهم بمقاربتك وملاينتك .
وما أنت واجد في موافقتك إيّاهم ولينك لهم من موافقتهم إيّاك ولينهم لك أفضل مما أنت مدركه بالمنافسة والمناظرة .
22 - لا تجترئنّ على خلاف أصحابك عند الوالي ثقة باعترافهم لك ومعرفتهم بفضل رأيك .
فإنّا قد رأينا الناس يعترفون بفضل الرجل وينقادون له ويتعلّمون منه وهم معه .
فإذا حضروا السلطان لم يرض أحد منهم أن يقرّ له ، ولا أن يكون له عليه في الرأي والعلم فضل ، فاجترءوا عليه بالخلاف والنّقض .
فإن ناقضهم كان كأحدهم وليس بواجد في كلّ حين سامعا فهما وقاضيا عدلا وإن ترك مناقضتهم صار مغلوب الرأي مردود القول .
23 - إذا أصبت عند الوالي لطف منزلة لغناء « 1 » يجده عندك أو هوى يكون له فيك فلا تطمحنّ كل الطّماح .
ولا تزيننّ لك نفسك المزايلة له عن أليفه وموضع ثقته وسرّه قبلك ، بأن تقتلعه وتدخل دونه .
فإن هذه خلّة « 2 » من خلال السّفه « 3 » قد يبتلي لها الحلماء عند الدنوّ من ذي السّلطان حتّى يحدث الرجل منهم نفسه أن يكون دون الأهل والولد لفضل يظنّه في نفسه أو نقص يظنّه بغيره .
ولكلّ رجل من الملوك أو ذي هيئة من السّوقة « 4 » أليف وأنيس قد عرف روحه واطّلع على قلبه فليست عليه مئونة في تبذّل « 5 » يتبذّل له عنده ، أو رأي يستنزله منه أو سرّ يفشيه إليه .
هامش
( 1 ) الغناء : الاكتفاء ، اليسار .
( 2 ) الخلّة : الخصلة .
( 3 ) السّفه : الجهل ، رداءة الخلق .
( 4 ) السّوقة : الرعيّة من النّاس ، واللفظة للمفرد والجمع والمذكر والمؤنث .
( 5 ) التبذّل : ترك الاحتشام والرثاثة والمبتذل الكثير الاستعمال .