تحسن التقدير « 1 » لما تفيد وما تنفق .
ولا يغرنّك من ذلك سعة تكون فيها ، فإنّ أعظم النّاس في الدنيا خطرا « 2 » أحوجهم إلى التقدير .
والملوك أحوج إلى التّقدير من السّوقة « 3 » لأن السوقة قد يعيش بغير مال ، والملوك لا قوام « 4 » لهم إلا بالمال ، ثم إن قدرت على الرفق « 5 » واللطف في الطلب والعلم بالمطالب فهو أفضل .
* شيء من الوعظ
وأنا واعظك في أشياء من الأخلاق اللطيفة والأمور الغامضة التي لو حنّكتك « 6 » سن كنت خليقا أن تعلمها ، وإن لم تخبر عنها . ولكن أحببت أن أقدّم لك فيها قولا لتروض « 7 » نفسك على محاسنها ، قبل أن تجري على عادة مساويها فإنّ الإنسان قد تبتدر إليه في شيبته المساوئ ، وقد يغلب عليه ما يبدر إليه منها . . .
*
* التعوّذ بالعلماء
إن ابتليت « 8 » بالإمارة فتعوّذ « 9 » بالعلماء ، واعلم أنّ من العجب أن يبتلى الرجل بها فيريد أن ينتقص من ساعات نضبه « 10 » وعمله فيزيدها في ساعات دعته « 11 » وشهوته « 12 » .
هامش
( 1 ) التقدير : قدّر الأمر تقديرا أو الشيء بالشيء قاسه به وجعله على مقداره .
( 2 ) العظيم الخطر : أي الرفيع المقام وذو القدر .
( 3 ) السّوقة : الرعية من الناس ، واللفظة للمفرد والجمع والمذكّر والمؤنث .
( 4 ) القوام : ما يكفي من القوت ونحوه .
( 5 ) الرفق : لين الجانب ، اللطف .
( 6 ) حنّكتك : جعلتك حكيما خبيرا ذا تجارب .
( 7 ) راض يروض نفسه : طوّعها وذلّلها وعلمها .
( 8 ) ابتلي بالشيء : اختبر به ، حلّت به بليّته أي مصيبته .
( 9 ) تعوّذ بالعلماء : أي لجأ إليهم واعتصم .
( 10 ) النضب : مصدر نضب ( العمر ) : نفد وانقضى .
( 11 ) الدعة : الراحة ، الطمأنينة .
( 12 ) الشهوة : مصدر شها يشهو شهوة الشيء : أحبّه ورغب فيه .