ووجدناهم لم يرضوا بما فازوا به من الفضل لأنفسهم حتّى أشركونا معهم في ما أدركوا من علم الأولى « 1 » والآخرة « 2 » ، فكتبوا به الكتب الباقية وكفونا به مئونة « 3 » التّجارب والفطن .
وبلغ من اهتمامهم بذلك أنّ الرجل منهم كان يفتح له الباب من العلم ، والكلمة من الصّواب - وهو بالبلد غير المأهول - فيكتبه على الصّخور مبادرة منه للأجل « 4 » وكراهية « 5 » لأن يسقط ذلك على من بعده « 6 » .
فكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد الشّفيق « 7 » على ولده الرحيم بهم ، الذي يجمع لهم الأموال والعقد « 8 » إرادة ألا تكون عليهم مئونة في الطلب ، وخشية عجزهم إن هم طلبوا « 9 » .
* الإفادة من علمهم
فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم ، وغاية إحسان محسننا ، أن يقتدي « 10 » بسيرتهم « 11 » ، وأحسن ما يصيب من الحديث محدّثنا ، أن ينظر في كتبهم فيكون كأنه إياهم يحاور « 12 » ومنهم يستمع .
غير أنّ الذي نجد في كتبهم هو المنتخل « 13 » من آرائهم والمنتقى « 14 » من أحاديثهم . .
هامش
( 1 ) الأولى : أي الحياة الدنيا .
( 2 ) الآخرة : الحياة الاجلة أو دار البقاء .
( 3 ) المئونة : الشدّة والثقل .
( 4 ) الأجل : غاية الوقت ، والأجل وقت الموت .
( 5 ) كره كرها وكراهة وكراهية الشيء : ضد أحبّه .
( 6 ) يسقط على من بعده : أي يقع عبئه على من يأتي بعده .
( 7 ) الشفيق : الحريص على الخير والإصلاح .
( 8 ) العقد : جمع عقدة وهي العقار الذي اعتقده صاحبه ملكا ، أي اقتناه .
( 9 ) طلبوا : طلب الشيء حاول وجوده .
( 10 ) أن يقتدي بسيرتهم : أي أن يحتذيهم ويسير على منوالهم .
( 11 ) السيرة : سيرة الرجل أعماله وكيفيّة سلوكه بين النّاس .
( 12 ) حاوره يحاوره محاورة وحوارا : راجعه في الكلام ، جاوبه .
( 13 ) المنتخل من الآراء : المصطفى والمختار .
( 14 ) المنتقى من الأحاديث : المنتخب .