* قد يسعى إلى أبواب السّلطان أجناس من الناس كثيرا :
أما الصّالح فمدعوّ وأمّا الطّالح فمقتحم وأما ذو الأدب فطالب ، وأما من لا أدب له فمحتبس وأما القويّ فمدافع وأما الضّعيف فمدفوع ، وأما المحسن فمستثيب « 1 » وأما المسئ فمستجير « 2 » . . .
فهو مجمع البرّ والفاجر والعالم والجاهل والشريف والوضيع .
* النّاس إلا قليلا ممّن عصم اللّه مدخولون في أمورهم فقائلهم باغ ، وسامعهم عيّاب ، وسائلهم متعنّت ، ومجيبهم متكلّف ، وواعظهم غير محقق لقوله بالفعل ، وموعوظهم غير سليم من الاستخفاف .
والأمين منهم غير متحفّظ من إتيان الخيانة ، وذو الصدق غير محترس من حديث الكذبة ، وذو الدّين غير متورّع عن تفريط الفجرة .
والحازم منهم غير تارك لتوقّع الدوائر . . . يتناقضون البنى ، ويترقبون الدول ، ويتعاطون القبيح ، ويتعايبون بالغمز ؛ مولعون في الرّخاء بالتحاسد ، وفي الشّدة بالتخاذل .
* كم قد انتزعت الدّنيا ممّن قد استمكن منها واعتكفت له فأصبحت الأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم ، وأخذ متاعهم من لم يحمدهم وخرجوا إلى من لا يعذرهم :
فأصبحنا خلفا من بعدهم نتوقّع مثل الذي نزل بهم فنحن إذا تدبّرنا أمورهم أحقاء أن ننظر ما نغبطهم به فنتبعه وما نخاف عليهم منه فنجتنبه .
* كان يقال إنّ اللّه تعالى قد يأمر بالشّيء ويبتلي بثقله وينهى عن الشّيء ويبتلي بشهوته . فإذا كنت لا تعمل من الخير إلا ما اشتهيت ولا تترك من الشرّ إلا ما كرهت فقد أطلعت الشيطان على عورتك « 3 » وأمكنته من رميك « 4 » فأوشك أن يقتحم عليك في ما تحبّ من الخير فيكرهه إليك ، وفيما تكره من الشرّ فيحببه إليك .
هامش
( 1 ) المستثيب : الذي يطلب الثواب .
( 2 ) المستجير : المستغيث والمستعيذ ، واستجار بفلان التجأ إليه من فلان .
( 3 ) العورة : كل ما يستحيا منه من العيوب والنقائص .
( 4 ) رميك : مصدر رماه بكذا أي اتّهمه وعابه .