- وأما التقديم والتوكيل فإنه ليس كلّ ذي لبّ أو ذي أمانة يعرف وجوه الأمور والأعمال ولو كان بذلك عارفا لم يكن صاحبه حقيقا .
أن يكل ذلك إلى علمه دون توقيفه عليه ، وتبيّنه له والاحتجاج عليه به .
وأما التعهد فإنّ الوالي إذا فعل ذلك كان سميعا بصيرا وأنّ العامل إذا فعل ذلك به كان متحصّنا حريزا .
وأما الجزاء فإنه تثبيت المحسن والراحة من المسئ .
6 - لا يستطاع السّلطان إلا بالوزراء والأعوان ولا ينفع الوزراء إلا بالمودّة والنصيحة ولا المودّة إلا مع الرأي والعفاف .
وأعمال السلطان كثيرة وقلّما تستجمع الخصال المحمودة عند أحد .
وإنما الوجه في ذلك والسبيل الذي يستقيم به العمل أن يكون صاحب السلطان عالما بأمور من يريد الاستعانة به وما عند كلّ رجل من الرأي والغناء ، وما فيه من العيوب .
فإذا استقرّ ذلك عنده عن علمه وعلم من يأتمن ، وجّه لكل عمل من قد عرف أنّ عنده من الرأي والنّجدة والأمانة ما يحتاج إليه فيه ، وإن ما فيه من العيوب لا يضرّ بذلك ، ويتحفّظ من أن يوجّه أحدا وجها لا يحتاج فيه إلى مروءة إن كانت عنده ولا يأمن عيوبه وما يكره منه .
7 - ثم على الملوك بعد ذلك تعهد عمّالهم وتفقّد أمورهم حتّى لا يخفى عليهم إحسان محسن ولا إساءة مسيء .
8 - ثم عليهم بعد ذلك ألا يتركوا محسنا بغير جزاء ولا يقرّوا « 1 » مسيئا ولا عاجزا على الإساءة والعجز . فإنّهم إن تركوا ذلك تهاون المحسن واجترأ المسئ وفسد الأمر وضاع العمل .
اقتصار السّعي أبقى للجمام « 2 » وفي بعد الهمّة يكون النّصب « 3 » ومن سأل فوق قدره استحقّ الحرمان .
هامش
( 1 ) أقرّ يقرّ فلانا على الأمر : قبله منه وأبقاه عليه وثبّته .
( 2 ) الجمام : الراحة .
( 3 ) النّصب : شدّة التعب ، الإعياء .