تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه — صفحة 768

مساهمون:

ص٧٦٨
فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالرَّحِيلِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ الْمَمْنُوعِ أَهْلُهَا مِنَ الْحَيَاةِ الْمُذَلَّلَةِ أَنْفُسُهُمْ بِالْمَوْتِ فَلَا حَيٌّ يَطْمَعُ فِي الْبَقَاءِ وَلَا نَفْسٌ إِلَّا مُذْعِنَةٌ بِالْمَنُونِ فَلَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَمَلُ وَلَا يَطُلْ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ وَلَا تَغْتَرُّوا فِيهَا بِالْآمَالِ وَتَعْبُدُوا اللَّهَ أَيَّامَ الْحَيَاةِ فَوَ اللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوَالِهِ الْعَجْلَانِ وَدَعَوْتُمْ بِمِثْلِ دُعَاءِ الْأَنَامِ وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِ الرُّهْبَانِ وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كَتَبَتُهُ وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ لَكَانَ قَلِيلًا فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ وَأَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ مِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ وَبِاللَّهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلُوبُكُمُ انْمِيَاثاً وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ وَرَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا مَا كَانَتِ الدُّنْيَا بَاقِيَةً مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ
شرح
« فأزمعوا » أي صححوا العزم يا « عباد الله بالرحيل » والارتحال وقطع التعلق « من هذه الدار إلخ مذعنة » متيقنة بالمنون والموت « فوالله إلخ » تنبيه على عظيم ثواب الله وما ينبغي أن يرجى منه وعلى عظيم عقابه ، وما ينبغي أن يخاف « والوله العجلان » جمع وإله وعجول وهما من الإبل والنوق التي تفقد أولادها والجؤار الصوت المرتفع والتبتل الانقطاع إلى الله تعالى بالإخلاص ، والمعنى أن الذي أرجوه من ثوابه للمتقرب إليه منكم أكثر مما يتصوره المتقرب إليه أنه يصل إليه بتقربه بجميع أسباب القربة ، والذي أخافه من عقابه أكثر من العقاب الذي يتوهم أنه يدفعه عن نفسه بذلك فينبغي لطالب الزيادة في المنزلة عند الله أن يخلص بكليته في التقرب إلى الله تعالى ليصل إلى ما هو أعظم مما يتوهم أنه يصل إليه من المنزلة عنده ، وينبغي للهارب إليه من ذنبه أن يخلص في الفرار إليه ليخلص من هول ما هو أعظم مما يتوهم أنه يدفعه عن نفسه بوسيلة ، فإن الأمر فيما يرجى ويخاف من أمر الآخرة أعظم مما يتصوره عقول البشر ما دامت في عالم الغربة . « وبالله لو انماثت » وذابت « قلوبكم انمياثا » خوفا منه تعالى « ما جزت