تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ، وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ »
« 1 » . وإن القرآن ليدعك أحيانا ترسم في خيالك صورة ناطقة لا تقف عند الرمز الكنائي ، بل تجاوزه إلى التعريض ، وإذا كنت في الكناية تذكر اللفظ وتريد لازم معناه ، فإنك في التعريض تذكر اللفظ وتلوّح به إلى ما ليس من معناه ، لا حقيقة ولا مجازا . مثاله : وقالوا :
لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ، قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا
« 2 » ، فلو أجرينا الكلام على ظاهره لكان إخبارا بازدياد حرّ جهنم ، وكونه أشدّ من حر الدنيا وهو معلوم للمخاطبين بالقرآن ، فلا معنى لذكره والتنبيه عليه ، ولكن الغرض الحقيقي التعريض بهؤلاء المتخلفين عن القتال المعتذرين بشدة الحر بأنهم سيردون جهنم ويجدون حرها الذي لا يوصف هذا ما نفهمه من الآية ، ولكن السبكي في كتابه « الإغريض في الفرق بين الكناية والتعريض » « 3 » يذهب في فهمها مذهبا آخر يقيمه على منهجه في التفرقة بين هذين الأسلوبين فهو يقول : « الكناية لفظ استعمل في معناه مرادا منه لازم المعنى ، فهي بحسب استعمال اللفظ في المعنى حقيقة ، والتجوز في إرادة إفادة ما لم يوضع له ، وقد لا يراد بها المعنى بل يعبر بالملزوم عن اللازم وهي حينئذ مجاز ، ومن أمثلته :
« قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا »
: فإنه لم يقصد إفادة ذلك ، لأنه معلوم ، بل إفادة لازمه ، وهو أنهم يردونها ويجدون حرها إن لم يجاهدوا ، وأما التعريض فهو لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره نحو
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
« 4 » نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة ، لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم من عجز كبيرها عن ذلك الفعل ، والإله لا
هامش
( 1 ) سورة الحجر 21 . ( 2 ) سورة التوبة 81 . ( 3 ) السبكي هو تقي الدين علي بن عبد الكافي المتوفى سنة 756 ه . وكتابه « الإغريض » ذكره في ( كشف الظنون 1 / 130 ) . ( 4 ) سورة الأنبياء 63 .