تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
وإنما كان حرص الرافعي على الأصل اللغوي في الإعجاز ، والتزامه له وعنايته به ، لأنه كان آخذا نفسه بالكشف عن أسرار النظم الموسيقى في القرآن ، هذا النظم الذي يشبه السحر والذي ألف العرب على تعاديهم وكوّن منهم أمة واحدة تطرب للحن واحد تجتمع عليه قلوبها في الأرض بينما ترتفع به أرواحها في السماء . وقد نحا سيد قطب في دراسته للقرآن منحى آخر ، فلم تكن مفردات القرآن وحدها شاغلة له بموسيقاها ، ولا تراكيب القرآن وحدها مستأثرة باهتمامه بتناسقها وترابطها ، وإنما كان نظره مركزا في الأداة المفضلة للتعبير في كتاب اللّه ، ولقد وجدها في التصوير وراح يتحدث عنها بأسلوب شعري يستهوي النفوس ويهديها بحق إلى جمال القرآن : « التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن : فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني ، والحالة النفسية ، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور ، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية . ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة ، أو الحركة المتجددة . فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة ، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد ، وإذا النموذج الإنساني شاخص حيّ ، وإذا الطبيعة مجسّمة مرئيّة . فأما الحوادث والمشاهد ، والقصص والمناظر ، فيردها شاخصة حاضرة ، فيها الحياة وفيها الحركة ، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل . فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة ، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع ، حيث تتوالى المناظر ، وتتجدد الحركات ، وينسى المستمع أنّ هذا كلام يتلى ، ومثل يضرب ، ويتخيل أنه منظر يعرض ، وحادث يقع . فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو ، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات ، المنبعثة من الموقف ، المتساوقة مع الأحداث ، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة فتنمّ عن الأحاسيس المضمرة . إنها الحياة هنا ، وليست حكاية الحياة .