تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
فإذا ما ذكرنا أن الأداة التي تصور المعنى الذهني والحالة النفسية ، وتشخص النموذج الإنساني أو الحادث المرئي ، إنما هي ألفاظ جامدة ، لا ألوان تصور ، ولا شخوص تعبر ، أدركنا موضع الإعجاز في تعبير القرآن » « 1 » . وفي الفصول التي تلي هذا الفصل من كتابه « التصوير الفني في القرآن » أنشأ سيد قطب يذكر الدليل إثر الدليل على صحة نظرته ، وسلامة فكرته ، فعقد فصلا للتخييل الحسي والتجسيم ، وفصلا للتناسق الفني ، وثالثا للقصة في القرآن ، ثم عرض بعض النماذج الإنسانية التي تنطق بها الآيات مؤكّدا في نهاية المطاف أن الجدل القرآني قائم على ضرب من المنطق الوجداني الذي تشترك فيه « الألفاظ المعبرة ، والتعبيرات المصورة ، والصور الشاخصة ، والمشاهد الناطقة ، والقصص الكثيرة » « 2 » . ولعلّ الغاية التي انتهى إليها سيد قطب من فهم الأسلوب القرآني أن تكون أصدق ترجمة لمفهومنا الحديث لإعجاز القرآن ، لأنها تساعد جيلنا الجديد على استرواح الجمال الفني الخالص في كتاب اللّه ، وتمكّن الدارسين من استخلاص ذلك بأنفسهم ، والاستمتاع به بوجدانهم وشعورهم . ولا ريب أن العرب المعاصرين للقرآن قد سحروا قبل كل شيء بأسلوبه الذي حاولوا أن يعارضوه فما استطاعوا ، حتى إذا فهموه أدركوا جماله ومسّ قلوبهم بتأثيره ، لذلك سنقتصر في بحثنا هذا على الجانب الفني الخالص الذي نجده عنصرا مستقلا بنفسه كافيا لإثبات فكرة الإعجاز وخلود القرآن بأسلوبه الذي يعلو ولا يعلى . أما ما يتساوق مع هذا العنصر الجمالي الفني من الأغراض الدينية والعلمية التي توسع فيها السيد رشيد رضا ، كاشتمال القرآن على العلوم الدينية والتشريعية ، وتحقيقه مسائل كانت مجهولة للبشر ، وعجز الزمان عن
هامش
( 1 ) سيد قطب ، التصوير الفني في القرآن ، ص 33 . ( 2 ) سيد قطب ، التصوير الفني في القرآن ، ص 187 .