تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
من ذلك لفظ ( النذر ) جمع نذير ، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا ، فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوّه في اللسان ، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام ، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه . ولكنه جاء في القرآن على العكس وانتفى في طبيعته من قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ
« 1 » فتأمل هذا التركيب ، وأنعم ثم أنعم على تأمله ، وتذوق مواقع الحروف ، وأجر حركاتها في حسّ السمع ، وتأمل مواضع القلقلة في دال ( لقد ) وفي الطاء من ( بطشتنا ) وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو ( تماروا ) مع الفصل بالمد كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان ، ليكون ثقل الضمة عليه مستخفا بعد ، ولتكون هذه الضمّة قد أصابت موضعها ، كما تكون الأحماض في الأطعمة » « 2 » ويرى الرافعي أن القرآن كان « نمطا واحدا في القوة والإبداع ، وأنّ مردّ ذلك إلى روح التركيب التي تنعطف عليها جوانب الكلام الإلهي ، وهذه الروح - على حد تعبيره - « لم تعرف قط في كلام عربي غير القرآن وبها انفرد نظمه وخرج مما يطيقه الناس ، ولولاها لم يكن بحيث هو كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين ، إذ تراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة وتأليفها ، ثم إلى تأليف هذا النظم ، فمن هنا تعلق بعضه على بعض ، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة هي صفة إعجازه في جملة التركيب كما عرفت ، وإن كان فيما وراء ذلك متعدد الوجوه التي يتصرف فيها من أغراض الكلام ومناحي العبارات على جملة ما حصل به من جهات الخطاب ، كالقصص والمواعظ والحكم والتعليم وضرب الأمثال إلى نحو مما يدور عليه » « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة القمر 36 . ( 2 ) تاريخ آداب العرب ، للرافعي 2 / 239 . ( 3 ) تاريخ آداب العرب ، للرافعي 2 / 260 .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 318 | صبحي الصالح