تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
يصدعون عنها ولا ينزفون » وهاتان الكلمتان جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا . وقوله عز وجل حين ذكر فاكهة أهل الجنة : « لا مقطوعة ولا ممنوعة » جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني » « 1 » . ولا يبعد أن يكون محمد بن زيد الواسطي ( ت 603 ) « 2 » قد استفاد من كتاب الجاحظ وبنى عليه حين صنف كتابه « إعجاز القرآن » الذي لم يصل إلينا كذلك ، وإنما وصل إلينا ما ينبئ عنه في « دلائل الإعجاز » لعبد القاهر الجرجاني « 3 » الذي نعلم أنه شرح كتاب الواسطي شرحين أحدهما كبير سمّاه « المعتضد » ، والآخر أصغر منه . ولقد كان عبد القاهر ذواقة للأسلوب القرآني ، حتى أوشك أن يسبق عصره في بعض لمحاته الموفقة التي نفذ بها إلى إدراك الجمال الفني في كتاب اللّه . واستمع إليه وهو يفسر هذه الصورة البارعة في قوله تعالى
« وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً »
فسيعجبك منه بلا ريب حسّه المرهف الدقيق وفهمه طريقة القرآن المفضلة في التعبير والتصوير . قال : « إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم ، والوقوف على حقيقته . ومن دقيق ذلك وخفيه أنّك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
« 4 » لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة ، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها ، ولم يروا للمزية موجبا سواها . هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم ، وليس الأمر على ذلك ، ولا هذا الشرف العظيم ، ولا هذه المزية الجليلة ، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء وهو لما هو من سببه ، فيرفع به ما يسند إليه ، ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوبا بعده ، مبينا أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني ، ولما بينه وبينه من
هامش
( 1 ) تاريخ آداب العرب للرافعي 2 / 152 ، حاشية 1 . ( 2 ) راجع كشف الظنون 1 / 120 . ( 3 ) هو عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد واضع أصول البلاغة . أشهر كتبه « دلائل الإعجاز » و « أسرار البلاغة » توفي سنة 471 ه ( إنباه الرواة 2 / 182 ) . ( 4 ) سورة مريم 4 .