الفصل الثالث إعجاز القرآن
تحدى القرآن فصحاء العرب بمعارضته ، وطاولهم في المعارضة ، ولكنهم انهزموا أمام تحديه ، وأعلنوا عجزهم عن تقليده ، لأنه يعلو وما يعلى ، وما هو بقول بشر .
ولقد كان الإعجاز القرآني خليقا أن يثير في الحياة الإسلاميّة مباحث على جانب عظيم من الأهميّة يتصدى بها العلماء للكشف على وجوه البلاغة القرآنية ، وعن أسلوب القرآن الفذ في التصوير والتعبير . وبذل أولئك العلماء جهودا مشكورة ، وقاموا بمحاولات مضنية ، لإبراز البلاغة القرآنية في صورة موحية ذات ظلال ، ولكنهم وقفوا غالبا عند النص الواحد ، فاقتطعوه اقتطاعا من الوحدة القرآنية الكبرى ، ودرسوه على حدة دراسة تحليليّة جزئية ذهب بمعالم جمالها خلافهم الذي لا يتناهى حول مشكلة اللفظ والمعنى ، فكانت النزعة الكلاميّة تفسد عليهم تذوقهم للنصوص ، وإدراكهم مواطن البلاغة والإعجاز .
ولعلّ الجاحظ ( ت 255 ) أول من تكلم على بعض المباحث المتعلقة بالإعجاز في كتابه « نظم القرآن » ، ولم يصلنا هذا الكتاب ، ولكن للجاحظ نفسه إشارات إلى هذا المصنف في كتابه « الحيوان » إذ يقول : « ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن لتعرف بها ما بين الإيجاز والحذف ، وبين الزوائد والفضول والاستعارات ، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة . فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنة : « لا