تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
يختص به بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم . وهو المشار إليه بقوله صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس : « اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل » « 1 » . ولا ريب أن في رأي الراغب قصدا واعتدالا : فذات اللّه وحقائق صفاته لا يعلمها إلا اللّه ، وفي هذا المعنى يقول في دعائه « أنت كما أثنيت على نفسك ، لا أحصي ثناء عليك » ، والعلم بالغيب مما استأثر اللّه به ، مصداقا للآية الكريمة :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
« 2 » . ولقد رأينا في بحث فواتح السور كيف أحيطت هذه الحروف بجو من التورع عن تأويل حقائقها ، وعرفنا أن آراء العلماء فيها إنما كانت تدور حول حكمة وجودها لا حول كنه حقيقتها ، ففي خفاء هذه الأمور وعجز الإنسان عن الوصول إليها ما يقلل من غروره ويخفض من كبريائه ، ويحمله على أن يقول :
سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
« 3 » . والآيات المشكلة الواردة في صفات اللّه تعالى ، كقوله
« الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى »
هي أهمّ ما يتعلق بهذا الضرب من المتشابه الذي لا سبيل لأحد من البشر إلى الوقوف عليه . وقد أفردها ابن اللبان بكتاب سماه « رد المتشابهات إلى الآيات المحكمات » « 4 » . وذكر الرازي الحكمة من متشابه الصفات فقال : « إن القرآن يشتمل على دعوة الخواص والعوام ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود
هامش
( 1 ) الاتقان 2 / 7 - 8 والراغب الأصفهاني هو الحسين بن المفضل ، أبو القاسم ، أديب كبير . أهم كتبه ( مفردات القرآن ) توفي سنة 502 . ( 2 ) سورة لقمان 34 . ( 3 ) سورة البقرة 32 . ( 4 ) الاتقان 2 / 8 وابن اللبان هو محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الأسعردي ، شمس الدين . مفسر من أهل دمشق توفي سنة 749 . له تفسير مخطوط ( الأعلام 3 / 853 ) .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 283 | صبحي الصالح